يشهد قطاع الإقراض تحولًا متسارعًا مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى صلب عمليات تقييم الجدارة الائتمانية واتخاذ قرارات منح القروض وتسعيرها، في خطوة غيّرت طبيعة القرارات التي كانت تُعتبر في السابق قائمة إلى حد كبير على التقييم البشري. وبينما تَعِد هذه التقنيات بتوفير موافقات أسرع وخدمات تمويلية أكثر تخصيصًا، تتزايد في المقابل التساؤلات حول مدى عدالة هذه الأنظمة، والفئات التي قد تستفيد منها أو تتضرر بسببها.
وفي هذا السياق، سلّطت الدكتورة بيرين إيرغين، الباحثة متعددة التخصصات التي تنقّلت خبراتها المهنية بين مجالات الطيران والتعليم والإدارة، الضوء على هذه القضية من خلال دراسة حديثة نُشرت في مجلة Scientific Culture. وتناولت الدراسة التسويق الائتماني المدعوم بالذكاء الاصطناعي من زاوية مختلفة عن الطروحات التقليدية، إذ لم تقتصر على قياس الكفاءة التنبؤية للأنظمة، بل ركّزت على تأثيرها الاقتصادي الفعلي في الوصول إلى التمويل وشروطه.
واعتمدت الدراسة على تحليل بيانات إقراض ضخمة تضم مئات الملايين من القروض، باستخدام تقنيات متقدمة من بينها التعلم الآلي المزدوج ونماذج التحليل السببي، بهدف فهم الكيفية التي تؤثر بها الأنظمة الخوارزمية في منح الائتمان وتسعيره وسلوك السداد لدى المقترضين.
وكشفت النتائج عن تحولات واضحة في توزيع الائتمان، حيث ساهمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في توسيع فرص الوصول إلى التمويل أمام فئات شابة ومستخدمين نشطين رقميًا لا يمتلكون سجلات ائتمانية تقليدية، ما اعتُبر خطوة مهمة نحو تعزيز الشمول المالي.
في المقابل، أظهرت الدراسة جانبًا آخر أكثر تعقيدًا، يتمثل في استمرار وجود تفاوتات في تسعير القروض، إذ تبين أن بعض المقترضين من ذوي الدخل المنخفض يواجهون أسعار فائدة أعلى بشكل متكرر، حتى بعد احتساب مستويات المخاطر الفعلية. وتشير هذه النتائج إلى أن التقنيات التي توسّع إمكانية الوصول إلى التمويل قد تُسهم في الوقت ذاته في تكريس أنماط غير مرئية من عدم المساواة.
وترى الدكتورة إيرغين أن هذه الإشكالية تعكس حالة من التوتر بين أهداف التحسين التجاري ومتطلبات المسؤولية الاجتماعية، مؤكدة أن هذا التحدي يزداد تعقيدًا مع اتساع الاعتماد على الأنظمة المعتمدة على البيانات في مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية.
كما تعيد الدراسة صياغة النظرة التقليدية إلى الذكاء الاصطناعي في مجال الإقراض، إذ لا تعتبره مجرد أداة تقنية محايدة لتقييم المخاطر، بل تصفه كآلية تسويقية نشطة تؤثر بصورة مباشرة في تحديد الفئات التي تحصل على التمويل، وكذلك الشروط المرتبطة به.
وتزداد أهمية هذه النتائج مع التوسع المتسارع لشركات التكنولوجيا المالية في الأسواق الناشئة، بما في ذلك منطقة الخليج، التي تشهد نموًا متسارعًا في الخدمات المالية الرقمية. وفي ضوء ذلك، تدعو الدراسة إلى تعزيز الشفافية في الأنظمة الخوارزمية، وتطوير أطر تنظيمية أكثر صرامة، إلى جانب دمج مبادئ المساءلة والعدالة ضمن تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي منذ المراحل الأولى لتطويرها.
وتخلص الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي يمتلك بالفعل القدرة على توسيع الوصول المالي أمام ملايين الأشخاص، غير أن تحقيق هذا الهدف بصورة عادلة يتطلب تصميم هذه الأنظمة وإدارتها ومراقبتها بطريقة تجعل العدالة عنصرًا أساسيًا في عملها، لا مجرد اعتبار ثانوي يتم التعامل معه لاحقًا.