تتزايد المؤشرات على إحباط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من طريقة إدارة الصراع الحالي مع إيران فعلى الرغم من أنهما بدآ الحرب بتنسيق وثيق، لكن التطورات الأخيرة كشفت أنهما يسعيان اليوم إلى أهداف مختلفة، فينما يريد سيد البيت الأبيض نهاية سريعة، بسبب تداعيات الأزمة على الداخل الأمريكي، لا يتردد صديقه «بيبي» في الإعلان عن استعداده لحرب طويلة تضمن القضاء في النهاية على الخطر الإيراني.
وبحسب «أسوشيتد برس»، أظهرت الضربات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان وإيران أن الرجلين، اللذين انطلقا في الحرب جنباً إلى جنب، لم يعودا متفقين على كيفية إنهائها، وكان ترامب حذّر نتنياهو علناً من استهداف بيروت في إطار حربه مع «حزب الله»، لكن إسرائيل نفذت الضربة الأحد، فردّت إيران بإطلاق صواريخ باليستية على إسرائيل للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار في إبريل/ نيسان الماضي، وبعد ذلك شنت إسرائيل هجمات على إيران، في وقت كان ترامب منخرطاً معها في مفاوضات حساسة وعالية المخاطر استمرت لأسابيع.
خلافات مرشحة للاستمرار
ورغم أن القتال هدأ بعد ذلك، فإن الخلافات بين الرجلين مرشحة للاستمرار، والسبب هو أن ترامب، الذي يواجه حزبه انتخابات هذا العام، يريد إنهاء حرب لا تحظى بشعبية، بين الأمريكيين، كما يسعى إلى إعادة فتح مضيق هرمز لتخفيف الضغوط على أسعار الوقود والطاقة، وكانت إيران أوضحت أن أي اتفاق يتطلب وقفاً شاملاً لإطلاق النار في لبنان.
في المقابل، يواجه نتنياهو أيضاً استحقاقات انتخابية هذا العام، وكان تحت ضغط متزايد لوقف هجمات «حزب الله» وإثبات أنه يحقق انتصاراً على إيران وحلفائها، كما يحتاج إلى الحفاظ على علاقاته مع أهم حليف لإسرائيل من دون أن يبدو خاضعاً للإرادة الأمريكية.
عندما هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في الثامن والعشرين من فبراير/ شباط الماضي، بدا الحليفان وكأنهما يقفان في صف واحد، فقد أعلن نتنياهو أن أهداف الحرب تتمثل في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، والقضاء على برنامجها النووي وبرنامجها للصواريخ الباليستية، وإسقاط النظام الحاكم.
حرب إيران بين النصر السريع والهزيمة الساحقة
أما ترامب فأعلن مقتل المرشد الإيراني في الضربة الافتتاحية، ودعا الإيرانيين إلى «استعادة بلادهم»، لكن سرعان ما اتضح أن ترامب كان يسعى إلى تحقيق نصر سريع، بينما كان نتنياهو يطمح إلى إلحاق هزيمة حاسمة بإيران وحلفائها حتى لو استدعى الأمر صراعاً طويلاً ومكلفاً.
لكن كُلف الحرب بدت باهظة بعدما استمرت 40 يوماً، استمرار إغلاق مضيق هرمز، وتداعياته على الاقتصاد العالمي، بسبب في تصاعد الإحباط في الولايات المتحدة وإسرائيل على السواء.
انتقادات لأنصار ترامب
ففي الولايات المتحدة، ارتفعت أسعار الوقود والسلع، وبدأ حتى بعض مؤيدي ترامب يتهمونه بالتخلي عن وعوده الانتخابية، وإدخال البلاد في مستنقع جديد في الشرق الأوسط، واضطر ترامب إلى مواجهة تلك الانتقادات مع تزايد المخاوف من انعكاسها على فرص الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس المقبلة.
أما في إسرائيل، فقد تزايد الغضب من فشل نتنياهو في تحقيق نصر حاسم في الحروب التي اندلعت بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، وبعد أكثر من عامين، لا تزال «حماس تسيطر على أجزاء من غزة، وما زال «حزب الله» يطلق الصواريخ، كما أن الحكومة الإيرانية وبرنامجها النووي لا يزالان قائمين رغم الخسائر الكبيرة التي تعرضا لها.
لبنان..صدام نتيناهو وترامب الأكبر
ويتركز مسار التصادم بين ترامب ونتنياهو في لبنان، حيث تستمر المعارك بين إسرائيل و«حزب الله» رغم إعلانات وقف إطلاق النار. فإيران تريد أن يكون لبنان جزءاً من أي هدنة إقليمية شاملة، وهو مطلب يبدو أن ترامب وافق عليه سعياً إلى التوصل لاتفاق. كما هددت طهران بشن هجمات جديدة على إسرائيل إذا استمرت في ضرباتها داخل لبنان.
أما إسرائيل، فتصر على فصل الجبهات عن بعضها، ومواصلة عملياتها العسكرية في لبنان، حيث تسيطر على مساحات واسعة من الجنوب، إلى أن يتم القضاء على تهديد «حزب الله» بالكامل.
ترامب لنتنياهو: أنت مجنون
وظهرت التوترات إلى العلن الأسبوع الماضي، عندما اعترف ترامب بإجرائه اتصالاً متوتراً مع نتنياهو بشأن لبنان. وقال: إنه استخدم عبارات حادة ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه «مجنون»، موضحاً أنه أصبح محبطاً لأن الحرب ضد "حزب الله" تهدد المفاوضات مع إيران.
وفي سلسلة مقابلات إعلامية، أوضح ترامب أنه غير راضٍ عن الضربة الإسرائيلية التي استهدفت بيروت الأحد من دون سابق إنذار، وأصابت مبنى سكنياً، ما أدى إلى مقتل شخصين، وإصابة عشرين آخرين وفق السلطات اللبنانية.
وعندما أطلقت إيران أول دفعة من الصواريخ في ذلك اليوم، دعا ترامب إسرائيل إلى ضبط النفس قائلاً: «أنا من يتخذ جميع القرارات، وليس نتنياهو»، موضحاً انه طلب من نتنياهو عدم الرد على إيران.
لكن بعد ساعات فقط، قصفت إسرائيل إيران، وكان ترامب دعا في البداية إلى التهدئة للحفاظ على استقرار الأسواق ومنع انهيار المفاوضات، بحسب مصدر مطلع على المشاورات الأمريكية الإسرائيلية.
في المقابل، جادل مسؤولون إسرائيليون، بأن الولايات المتحدة نفسها لن تقبل التعرض لهجوم من دون رد سريع. وأضاف المصدر، أن الطرفين كانا يدركان أن عدم رد إسرائيل على الضربات الإيرانية سيضع نتنياهو في موقف سياسي بالغ الصعوبة.
نتنياهو يقلل من أهمية الخلافات
من جانبه، حاول نتنياهو التقليل من أهمية الخلافات، فبعد الضربات الأخيرة قال للصحفيين: إن «إسرائيل تتمتع بحق كامل في الدفاع عن نفسها، وتمارس هذا الحق بالقدر اللازم»، وأضاف: «أقول ذلك لكم كما أقوله في محادثاتي الجيدة مع صديقي الرئيس ترامب، بكل تقدير واحترام».
وليست هذه المرة الأولى التي يظهر فيها خلاف علني بين ترامب ونتنياهو بشأن عملية عسكرية.
ففي مارس/ آذار الماضي، وبعد أقل من ثلاثة أسابيع على بدء الصراع، غضب ترامب من قرار نتنياهو استهداف حقل غاز إيراني مهم، الأمر الذي دفع إيران إلى الرد باستهداف منشآت الطاقة في المنطقة.
وقال ترامب آنذاك: «قلت له: لا تفعل ذلك، نحن نتفاهم بشكل ممتاز، وهناك تنسيق بيننا، لكنه أحياناً يقوم بأشياء من هذا النوع».
ورغم اعتراض ترامب العلني، أكد شخصان مطلعان، أن الولايات المتحدة كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل قبل تنفيذ الهجوم، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان الخلاف الأخير سيلحق ضرراً دائماً بالعلاقات بين البلدين.
توترات ليست نادرة ..لكنها علنية
وقال مايكل سينغ، المدير التنفيذي في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى: إن مثل هذه التوترات ليست نادرة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، لكن المختلف هذه المرة هو أنها تجري على الملأ وأمام الرأي العام.
وأشار كذلك إلى أن ترامب دخل سابقاً في خلافات علنية مماثلة مع قادة دول، بمن فيهم حلفاء مقربون للولايات المتحدة.
أما إيتان غلبوع، المتخصص في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية في جامعتي بار إيلان ورايشمان، فرأى أن الخلاف لا يشكل تهديداً جدياً للتحالف بين البلدين، مؤكداً أن نتنياهو كان حريصاً على عدم تجاوز الخطوط الحمراء.
وقال: «لو كانت إسرائيل مستمرة في الحرب ضد إيران وتحاول جر الولايات المتحدة إليها، لكان الوضع مختلفاً تماماً، لكن هذا لا يحدث حالياً».
ومع ذلك أشار إلى أن هناك خلافات جوهرية بين نتنياهو وترامب بشأن إيران ولبنان وغزة ما زالت من دون حل حتى الآن.