يبدأ كثيرون عادات جديدة في مناسبات مختلفة، بداية عام، أو بعد قرار، أو إثر لحظة حماس. وفي الأيام الأولى يكون الالتزام قوياً، ثم يبدأ يضعف، حتى تختفي العادة دون أن يلاحظ صاحبها متى توقف عنها بالضبط. هذا النمط يتكرر عند البعض مرات، فيبدأ ويتوقف، ويعيد المحاولة ويتوقف من جديد. لكن الأمر الذي قد نلاحظه عندما نتمعن في هذه الحالة أن ما يفصل العادة التي تصمد سنة عن العادة التي تنتهي في أسبوع ليس قوة الإرادة كما يظن البعض، بل عوامل أبسط من ذلك.
أول ما يفرق بين العادتين هو حجم البداية. من يبدأ فجأة بحجم كبير جداً، مثل أن يقرأ ساعة يومياً، وقبلها لم يكن يقرأ أصلاً، يضع لنفسه سقفاً يصعب الحفاظ عليه. وفي اليوم الذي يتعب فيه أو ينشغل، يفشل في تحقيق هذا السقف، فيشعر بأنه أخفق، ثم يتوقف. أما من يبدأ بشكل تدريجي وخطوات بسيطة، كأن يقرأ صفحات قليلة، فهو يبني عادة سهلة الاستمرار، ويصعب أن يجد عذراً لتركها لأنها لا تتطلب منه الكثير.
العامل الثانــي هــو ربط العادة بــشيء موجــود في اليوم. العادة المعلقة في الفـــراغ، الــتي تنــتظر أن يتذكرها الإنسان، من السهل أن تنــسى، أما العادة التي نربطها بفعل ثابت في الروتين، فتأخــذ مكــانــها تلقائياً. حين يجعل الإنسان عادته الجـــديــدة تأتــي بعــــد فعــل يقــوم بـــه يومــــياً دون تفــكير، يصبح الفــعل القديم تذكيراً بالـــعادة الجديدة.
العامل الثالث، وهو الأهم، هو كيف يتعامل الإنسان مع يوم الانقطاع. كل من يبني عادة سيفوته يوم في مرحلة ما، هذا أمر لا مفر منه. الفرق أن البعض يرى هذا اليوم الفائت دليلاً على الفشل وسبباً للإحباط، فيتوقف تماماً. وآخرون يرونه يوماً استثنائياً أو حالة استثنائية، فيعودون في اليوم التالي كأن شيئاً لم يكن. والعودة بعد الانقطاع هي المهارة الحقيقية، لأن العادة لا تموت بانقطاع يوم، بل تموت حين يتحول اليوم الواحد إلى مبرر للتوقف نهائياً.
ما يجب أن يدركه من يريد بناء عادة تصمد هو أن الثبات أهم من الكمية. عادة صغيرة تمارسها كل يوم أقوى بكثير من عادة تتــم بشكل متقــطع بمــهام كـــبيرة. والإنــسان الذي يفهم هذا يتوقف عن البحث عن دفعة الحماس الكبيرة، ويبدأ في بناء شيء صغير يستطيع أن يكرره دون عناء، لأن ما يبقى في النهاية ليس ما بدأ بقوة، بل ما استمر بهدوء.
