الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حداثة الاكتراث للتراث

10 يونيو 2026 00:09 صباحًا | آخر تحديث: 10 يونيو 00:09 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
ما رأيك في نظرة العالم العربي إلى التراث؟ ستقول: إنها نظرة فخر ومهابة، يكاد المرء يخلع نعليه، كأنه في وادٍ مقدّس، أو أمام ذي هيبة لا يُكلَّم إلّا حين يبتسمُ، أو في متحف لكنوز الأرضين السبع. فرط نهم الأمّة إلى التراث، يجعلها تأكله أكلاً لمَّا، فهي تحبّه حبّاً جمَّا، سوى أنها لا تنتقى أنفسَه كيفاً، بل تأخذه جملةً كمّا.
لعلّ أسوأ إساءة إلى التراث العربي، هي نكران جميل المفكرين العرب، الذين تناولوه بالتشريح، فهؤلاء تناثرت أوراق دراساتهم القيّمة، تناثر أوراق الخريف. عشرات من كبار مفكرينا، ذرت الرياح كنوز خلاصة حياتهم، فلم يضئ منها قبس في نفق الحيرة الثقافية العربية. الذين أرادوا إحياء التراث، صاروا هم أنفسهم تراثاً على الرفوف. لا تتنسّم في مدن العرب، عبق عمالقة الفكر العربي. قد تصادف تمثالاً لشاعر أو مفكّر، لكنك لن ترى بنات نبوغه حاضرات ناظرات في حياة الشعوب، في نبض الشارع، في الروح والطموح.
نحن نرى التراث بمنظار سهم الزمن، أي أنه شيء لن يعود، ولا يسير في اتجاهين، فهو متحفيّ، مكانه الأرشيفات والرفوف. لا يقول أحد: إذاً لماذا نحاول إحياءه؟ ولا يخطر بالبال: كيف ينجح الغير في إحيائه؟ لم يسبق في تاريخ الصين، أن حظي كونفوشيوس ولاو تسو وصن تزو وشعراء السونغ والتانغ، بحياة كحيواتهم في زماننا. نحن نخاف أن نوصم بأننا نعشق ميراثنا وموروثنا وإرثنا وتراثنا، حتى لا يقال إننا متيّمون بالعنف والتطرف. يقولون: هؤلاء العرب، حتى غزلهم إرهابي، كله كنانة ورماح، حتى ابتسامة عبلة تلمع كالسيوف، فالقبلات دراكولية: «وغزانا بقامة وبعينٍ.. تلك سيّافةٌ وذي طعّانةْ»: هذه الحبيبة دمويّة. أين الفصل السابع يا مجلس الأمن؟
التراث لا يكون حيوياً إلّا إذا نظرنا إليه في الاتجاهين، الماضي والمستقبل. الحاضر مثل لسان الميزان. لا أهمية للتراث إذا لم نجدّد له المحرك في كل عصر. ما أفقر النظرة إلى التراث الأخلاقي. الكرامة قيمة سياسية واجتماعية. ما تفتقر إليه التنميات المتعثرة، كرامتان حيويتان، أمنيّة وتنموية. تلك حتى لا تُدمَّر الأمّة على بكرة أبيها، وهذه حتى لا تشعر بالدونية والمهانة أمام الدول الناجية من التخلف.
لزوم ما يلزم: النتيجة الزمانية: التراث ليس متحفاً ماضوياً. تموت الأمم حين يموت تراثها.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة