لم تكن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى كوريا الشمالية حدثاً بروتوكولياً عادياً، بل بدت كأنها رسالة سياسية متعددة الاتجاهات، أبرز متلقيها واشنطن، فاختيار شي زيارة بيونغ يانغ في هذا التوقيت، بعد أسابيع فقط من لقاءاته مع الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، يعكس إدراكاً صينياً متزايداً بأن الصراع على النفوذ في آسيا دخل مرحلة أكثر حساسية وتعقيداً.
خلال السنوات الماضية، سعت الولايات المتحدة إلى بناء شبكة تحالفات إقليمية واسعة تضم كوريا الجنوبية واليابان، بهدف احتواء النفوذ الصيني ومواجهة التهديدات الكورية الشمالية. غير أن المشهد الحالي يبدو مختلفاً. فبكين لا تكتفي بالحفاظ على علاقاتها التقليدية مع بيونغ يانغ، بل تعمل على الارتقاء بها إلى مستويات جديدة تشمل التعاون الدبلوماسي والأمني والعسكري، في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز حدود شبه الجزيرة الكورية.
الأكثر أهمية أن هذه الزيارة تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات بين روسيا وكوريا الشمالية نمواً غير مسبوق. فالحرب في أوكرانيا دفعت موسكو إلى توثيق تعاونها مع بيونغ يانغ، بينما وجدت الأخيرة في روسيا شريكاً قادراً على توفير الغذاء والتكنولوجيا والدعم السياسي. وفي المقابل، تبدو الصين حريصة على ألا تترك حليفها الكوري الشمالي يتحول إلى ساحة نفوذ روسية خالصة، ما يفسر جانباً مهماً من الحراك الصيني الحالي.
لكن الرسالة الأبرز تكمن في الملف النووي. فعلى الرغم من تأكيد الصين رسمياً دعمها نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، فإن الواقع يشير إلى أن بكين باتت أكثر اهتماماً بالحفاظ على استقرار النظام الكوري الشمالي من ممارسة ضغوط حقيقية عليه للتخلي عن ترسانته النووية. ومن هذا المنطلق، يبدو أن الصين تتعامل مع كوريا الشمالية النووية باعتبارها أمراً واقعاً، طالما أنها تبقى ضمن دائرة النفوذ الصيني وتسهم في موازنة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
هذا التحول لا يمكن أن يكون مريحاً لواشنطن. فالإدارة الأمريكية تدرك أن أي تقارب إضافي بين بكين وبيونغ يانغ، بالتوازي مع تنامي العلاقات الروسية الكورية الشمالية، يعني تضييق هامش الضغط الأمريكي وتقليص فعالية العقوبات والعزلة السياسية التي اعتمدتها الولايات المتحدة لسنوات. كما أن تعزيز التنسيق بين هذه الأطراف يمنح الصين أوراق قوة إضافية في مواجهة الاستراتيجية الأمريكية الرامية إلى تطويق نفوذها المتصاعد في آسيا.
صحيح أن الحديث عن محور صيني روسي كوري شمالي متكامل قد يكون مبالغاً فيه، إلا أن المؤكد أن المصالح المشتركة بين هذه الأطراف تتقاطع اليوم أكثر من أي وقت مضى في مواجهة النفوذ الأمريكي. لذلك، فإن تقارب شي وكيم لا يقتصر على إحياء تحالف قديم، بل يؤشر إلى إعادة رسم موازين القوة في شرق آسيا، في وقت تجد فيه واشنطن نفسها أمام شبكة متنامية من الخصوم يصعب احتواؤها بالضغوط والعقوبات وحدها.
وفي عالم تتراجع فيه التحالفات التقليدية وتتقدم حسابات القوة، قد لا يكون السؤال ما إذا كان تقارب شي وكيم يزعج ترامب، بل إلى أي مدى تستطيع واشنطن منع تشكل جبهة آسيوية جديدة تقودها الصين.
