في السنوات العشر الأخيرة، أنتج هديرُ ماكينات الطباعة في دور النشر العربية عشرات المؤلفات الروائية، وربما جميعها تتشابه في المضمون وفي الاتجاه؛ حكاياتٌ بلا عمق سردي، وكأن الروائي العربي قد تحول مؤخراً إلى مجرد حكواتي يحاول أن يرصد الواقع دون أن ينتج عالماً سردياً متماسكاً، وكأن تشظي العصر قد تسرب إلى النص الروائي وعمل على خلخلته دون رحمة ليكون المنتج مسخاً، فعلى الرغم من محاولات السرد مجاراة الرواية الغربية والنهل من تياراتها الحديثة، إلا أنه ظل يطرح أعمالاً تفتقر إلى الرؤية والمعنى، أو هكذا يبدو الأمر.
علي أبوالريش هو أحد أهم الوجوه الروائية في العالم العربي حالياً، وله العديد من الأعمال السردية والنقدية، وهو يحاول في هذه المساحة أن يقترب من أسباب تراجع قوة السرد العربي خلال السنوات الأخيرة، ليجيب عن أسئلة متعلقة بقدرة هذه الكتابات على الإحاطة بالواقع والمتغيرات ورصدها، كما كانت تفعل الرواية العربية.
* غياب
في المستهل يشير أبوالريش إلى أن هناك جملة من الأسباب قادت إلى الراهن السردي، منها غياب النقد الحقيقي الذي سمح بمرور هذه الكتابات الروائية، وتلك مسألة في غاية الأهمية، فالوضع أصبح سائلاً، فالعالم اليوم يعيش في زمن «الثقافة السائلة»، فأصبحت الرواية بلا ضوابط علمية، وصارت الكتابة مفتوحة للجميع، وهو ما قاد لظهور هذه الموجة من الرواية الجديدة التي لا تنتمي إلى أي نوع من العمق السردي، وذلك أحدث خللاً كبيراً في مفهوم السرد نفسه؛ فعلى الرغم من أن الرواية تنتمي إلى «عالم الأدب»، لكنها تخضع لمعايير علمية وشروط لا غنى عنها، والآن هناك الكثير من الكتابات بلا أدوات أو تقنيات سردية، مجرد حكايات.
ويواصل أبوالريش شرحه لهذه النقطة مبيناً أن العديد من الكتّاب صاروا يميلون إلى أسلوب «الحكواتي» أو السرد المباشر للأحداث على حساب التعمق الروائي؛ فالرواية اليوم صارت تركز على الحكاية (ماذا حدث؟)، بدلاً من «الرواية» (كيف ولماذا حدث؟)، وعلى الرغم من أهمية الحكاية، إلا أن هناك جملة من الشروط السردية التي تفرق بين الحكاية والرواية، كما أن هناك الكثير من الكتّاب اتجهوا نحو كتابة اليوميات والسيرة الذاتية المباشرة، مما يعطي العمل طابعاً حكائياً مباشراً، ولعل هذا الاتجاه نحو «الخفة في السرد» يعود إلى أن الحكاية المباشرة والخفيفة صارت تجد قبولاً لدى القارئ المعاصر الذي يبحث عن الترفيه.
* مفرزة
حول الأسباب التي أدت إلى مثل هذا المنتج في عالم الرواية والسرد بشكل عام، ذكر أبوالريش أن العالم قد انفتح على مدى واسع، فصار الكل يريد أن يصبح كاتباً، وروائياً على وجه التحديد، فاختلط الغث بالثمين؛ ولكن، على الرغم من كل ذلك، لا بأس أن تمر مثل تلك الكتابات التي تحمل اسم رواية، لأن الحراك الثقافي السردي العربي يحتاج بالفعل إلى مفرزة حقيقية تبين من هو الروائي وما هي الرواية؟ فالتاريخ هو الناقد الحقيقي والأساسي، ففي مصر، على سبيل المثال، ظهر مؤخراً عشرات الكتاب والكتابات، لكن خُلِّد اسم نجيب محفوظ وبقية الأسماء الأخرى التي عرفت معنى فن الرواية؛ فاليوم لم يعد هناك ضابط لأي شيء، وفي عصر الاستهلاك وثقافة السوق تحول الجميع إلى تجار يريدون أن ينتجوا مثل هذا النوع من البضائع.
وفي ما يتعلق بنهل كُتّاب اليوم من الأدب العالمي والتيارات الأدبية الحديثة، أوضح أبوالريش أن هناك تأثراً في مستوى الشكل، في محاولة صنع روايات تعتمد على الغموض والسوداوية، لذلك تبدو الرواية وكأنها تتناول واقعاً مغايراً، ولئن كانت وظيفة الرواية هي رصد الواقع ومحاكمته ونقده وغير ذلك، فإن النقل أو الرصد المجرد لا يقود إلى بناء سردي محكم وحقيقي، لذلك تأتي هذه التجارب السردية وكأنها نسخ متكررة متشابهة بلا روح أو مضمون، وذلك الحكم لا يحمل لوماً على الجيل الحالي من الكُتّاب لأن ذلك هو الواقع الذي يعيشونه.
* تجربة ومعاناة
يشدد أبوالريش، في معرض حديثه عن كيفية كتابة رواية حقيقية، على ضرورة التجربة بالنسبة للكاتب، والمعاناة الشخصية؛ بحيث تصبح الرواية ناتجة عن تجربة صادقة في سياق البحث عن المعنى، ففي العصر الراهن أصبحت الحياة سهلة فغابت المعاناة الشخصية، فهناك فراغ وجودي، ولا يوجد كاتب يبحث عن معنى، فهو فقط يريد أن يكتب لمجرد الكتابة، وهذه ظاهرة سوف تصل إلى ذروتها وتتوقف؛ فالرواية السائدة اليوم هي نتاج الفراغ وعصر التيه، وتعبر عن مرحلة روائية بلا عمق.
ويعود أبوالريش ليضرب مثلاً مرة أخرى بـ«نجيب محفوظ» والكُتّاب العرب الكبار في سياق الحديث عن مصادر الإلهام، مشيراً إلى أن عبقرية محفوظ تكمن في كونه قد كتب عن الحارة ورصد واقعها؛ لكن اليوم يغيب مثل ذلك النوع من الإلهام في ظل التشظي الاجتماعي وظهور الثورة الرقمية التي أسهمت في اغتراب الفرد عن واقعه كنتاج طبيعي لثقافة العصر، بحيث لم تعد هناك ذاكرة يتكئ عليها الكاتب، وعندما تغيب الذاكرة فعن ماذا يكتب الإنسان وبأي أدوات؟، لذلك تحولت الرواية إلى حكاية.