الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

بلا شعبية ولا بوصلة.. ستارمر يترجل عن عرش بريطانيا بعد عامين من الأزمات

22 يونيو 2026 13:00 مساء | آخر تحديث: 22 يونيو 13:56 2026
دقائق القراءة - 6
شارك
share
بلا شعبية ولا بوصلة.. ستارمر يترجل عن عرش بريطانيا بعد عامين من الأزمات
icon الخلاصة icon
استقال ستارمر بعد أزمات وتراجع شعبية لغياب رؤية واضحة ووعود منكوثة وصراعات داخلية وصعود حزب الإصلاح وخوف الحزب من فاراج قبل 2029
رُحب بكير ستارمر ذات يوم كقائد سيجلب البراغماتية والاستقرار إلى بريطانيا، بعد سنوات من الفوضى السياسية، ولكن عندما استقال من منصبه كرئيس للوزراء الاثنين، كان غياب الأيديولوجية عينه الذي دفعه يوماً إلى السلطة هو السَبب وراء سقوطه.
فبعد أن قاد حزب العمال إلى السلطة عام 2024، بأكبر أغلبية برلمانية في تاريخ بريطانيا الحديث، ركز ستارمر على ما يعتقد أنه ممكن التحقيق، بدلاً من رسم رؤية واضحة لمستقبل بريطانيا.
وسرعان ما بات بنظر العديد من الناخبين، وأعضاء حزبه مفتقراً إلى الإقناع، والتوجه الواضح، وفقاً لما ذكره أكثر من 20 مطلعاً من داخل الحزب؛ إذ لم تكن لديه «رؤية كبرى».
ودون وجود ما وصفه أحد كبار المشرعين في حزب العمال بـ «النور الهادي»، تلاطمت أمواج الفرق المنقسمة داخل الحزب بالمحامي السابق، وضغط عليه أصحاب المصالح، وأساء فهمه الناخبون الذين بات كثير منهم يكرهون ما رأوا فيه تردداً وأداءً «روبوتياً».

اللجوء إلى الزوجة لطلب المشورة

وبعد فشل العديد من سياساته والاستقالات التي اجتاحت فريقه، كافح مساعدو ستارمر المتبقون حوله لمساعدته على تقديم رؤية واضحة للبلاد حول ما تريد حكومته فعله لـ«تغيير بريطانيا».
كما لجأ ستارمر (63 عاماً) إلى زوجته فيكتوريا للحصول على نصيحة موثوقة. وفي 12 مايو/ أيار الماضي، بعد خمسة أيام من نتائج الانتخابات المحلية الكارثية لحزب العمال، والتي أثارت دعوات لاستقالته، تناول معها غداءً طويلاً، وخرج منه عازماً على مواصلة القتال.

في «تشيكرز».. ستارمر ينحني أمام العاصفة

لكن في عطلة نهاية الأسبوع التي قضاها في مقر الإقامة الريفي لرئيس الوزراء في «تشيكرز» مع زوجته، أقنعته على ما يبدو بتغيير مساره، والانحناء أمام الأمر الحتمي وأمام العاصفة، وتقديم استقالته.
وعلى أعتاب مكتبه في «داونينغ ستريت»، قال إنه سيفعل كل شيء للسماح بانتقال منظم للسلطة إلى زعيم حزب العمال المقبل، المتوقع أن يكون منافسه آندي بورنهام، رئيس بلدية مانشستر الكبرى السابق.
وقال في خطاب عاطفي تحشرج فيه صوته عندما شكر عائلته على دعمها: «السؤال الذي يطرحه حزبي الآن هو ما إذا كنت الشخص الأنسب لقيادتنا في الانتخابات العامة المقبلة». وأضاف: «سمعت الإجابة من حزبي البرلماني على هذا السؤال، وأنا أقبل هذه الإجابة بكل رحابة صدر».
وفي النهاية، تراجع الدعم لستارمر، بعد أن بات يفتقر بشدة للشعبية بين الناخبين بسبب الوعود المنكوثة والتراجع عن السياسات. وحتى بعض حلفائه الأكثر ولاءً في فريقه الوزاري حثوه سراً على السماح بانتقال منظم للسلطة بدلاً من خوض معركة قيادة مدمرة.
وتبخرت تعهداته بالقتال لإنقاذ منصبه سريعاً، بعد أن قررت الأغلبية في الحزب أنه لا يمكنهم خوض انتخابات وطنية مقررة عام 2029 وهو يقود الدفة.
وبعد فوزه الحاسم بمقعد برلماني في شمال غرب إنجلترا، أصبح يُنظر إلى بورنهام الآن على أنه «قاهر حزب الإصلاح»، أي السياسي الذي يملك فرصة لكبح جماح الحزب الشعبي الذي يقوده نايجل فاراج، الناشط المخضرم في حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست).

الخوف من فاراج قاد حملة الإطاحة بستارمر

وقالت المشرعة كاثرين ويست، التي خرجت عن صمتها خلال عطلة نهاية الأسبوع في 9-10 مايو/ أيار لمحاولة إجبار الآخرين على تحدي رئيس الوزراء: «سأفعل أي شيء لإيقاف فاراج».
ولم يكن من المفترض أبداً أن تسير الأمور على هذا النحو.
فبعد أن أصبح مشرعاً عن حزب العمال عام 2015 في سن 52 عاماً، انتُخب ستارمر زعيماً بعد خمس سنوات فقط، ليرث حزباً يعيش أسوأ نتائج انتخابية له منذ عام 1935 تحت قيادة سلفه اليساري المخضرم جيرمي كوربين، الذي حاصرته اتهامات بمعاداة السامية، وسياسة «بريكست» متخبطة.
واستغل ستارمر خبرته في إدارة هيئة الادعاء الملكية —وهي هيئة مستقلة تقدم المشورة للشرطة وتقاضي القضايا الجنائية في المحاكم— لمحاولة تحديث حزب العمال، وجعله في نهاية المطاف أكثر قدرة على الفوز في الانتخابات.
وكما كان يفعل عندما كان مديراً للادعاء في بريطانيا، هاجم المشكلة استراتيجياً؛ فتخلص أولاً من معاداة السامية المزعومة وتصدى للانقسامات الحزبية، وأعاد الحزب إلى الوقوف على قدميه مالياً، وجلب أفضل مشرعي حزب العمال إلى فريقه رفيع المستوى، وتبنى أخيراً سياسات تلبي احتياجات بريطانيا.
وقال المتحدث باسمه في ذلك الوقت: «كل ما نقدمه سينبني على أساس من الاستقرار الاقتصادي وخطة للنمو».
وفي البداية نجحت الخطة؛ إذ فاز حزب العمال بحلته الجديدة بأغلبية كبيرة في البرلمان البريطاني المكون من 650 مقعداً، لكن المحللين سارعوا إلى الإشارة إلى أن انتصار الحزب كان هشاً؛ إذ حصل حزب العمال في الواقع على واحدة من أدنى حصص التصويت في تاريخه، وكان الفوز يعتمد بشكل كبير على التصويت التكتيكي.
فبعد 14 عاماً من الاقتتال الداخلي، ومعارك «بريكست»، وتعاقب خمسة رؤساء وزراء في ثماني سنوات، كان المحافظون فجروا أنفسهم كحزب.
وقال جون كيرتيس، الخبير البريطاني الأبرز في استطلاعات الرأي: «الأمر في مجمله يبدو وكأنه انتخابات خسرها المحافظون أكثر من كونها انتخابات فاز بها حزب العمال».

إحباط من غياب الإنجازات

لم يساعد البداية الهشة لحكومة ستارمر نهجها الحذر تجاه السياسات أثناء الحملة الانتخابية، والسردية المتنامية بأن مشاكل بريطانيا الكثيرة —من الإسكان إلى النمو الاقتصادي الضعيف— ستستغرق وقتاً لإصلاحها.
وفور وصولها إلى السلطة، كافحت حكومة ستارمر أولاً لتحديد أجندة سياستها، ثم لتنفيذها؛ فركزت على نمو لم يأتِ حقاً، وعلى تقليل تدفقات المهاجرين غير الشرعيين التي استمرت في التدفق، وعلى إصلاح نظام صحي واصل إثارة المزيد من التحديات.
وقال مسؤول في حزب العمال، إن الحزب لم يكن مستعداً للحكومة آنذاك خلال محاولته صياغة السياسات ولكن قيل لهم «توقفوا» حتى لا «تخيفوا الناس قبل الانتخابات العامة».

صعود يجلب النحس

وتذكر ذلك المسؤول قائلاً: «لم تكن لدينا خطة لما سنفعله عندما نصل إلى السلطة، إذا وصلنا، لأن ذلك قد يجلب النحس».
ومع مرور الأشهر، حاول ستارمر التحدث عن إنجازات حكومته؛ كتحسين ظروف العمل، وتقليص قوائم الانتظار في الخدمات الصحية، والإشراف على بيئة اقتصادية تسمح بخفض أسعار الفائدة.
ولكن على الرغم من المحاولات المتعددة لإعادة ضبط نهجه، فشل الزعيم البريطاني في جذب الجمهور، حيث قال مساعد سابق، إن ستارمر فشل في تقديم بوصلة يمكن للناخبين من خلالها فهم قراراته، أو استيعابها.

فضيحة بيتر ماندلسون

وبدلاً من ذلك، لم يستطع الناخبون تجاوز زلات لسانه بشأن التبرعات، وتراجعه عن سياساته، وتعيينه بيتر ماندلسون، السياسي العمالي، على الرغم من صلاته المعروفة بالمدان الأمريكي الراحل جيفري إبستين.
أثار دفاع ستارمر بأنه لم يُبلغ بمدى صلات ماندلسون بإبستين شعور الكثيرين بأنه منفصل عن الواقع في أحسن الأحوال، وغير مسيطر على إدارته في أسوئها.
قال أحد مساعديه السابقين: «كان تعييناً سيئاً»، مشيراً إلى أن اثنين فقط من مستشاريه السابقين هما من قاما بتنفيذه.

تبادل الاتهامات شوه نهاية إدارة ستارمر

وتزايد الإحباط داخل مكتبه في داونينج ستريت بشكل ملحوظ. وألقى بعض مساعديه باللوم على ما وصفوه بوسائل الإعلام اليمينية المعادية، ولكن بعد سلسلة من المحاولات لإعادة هيكلة الإدارة، فشل ستارمر في نهاية المطاف في إظهار، كما وصفه أحد مستشاريه، «شغفه بهذه القضايا الداخلية».
خسر بعضاً من أقرب مستشاريه، بمن فيهم رئيس أركانه السابق مورغان ماكسويني، على خلفية فضيحة ماندلسون، وبعد إقالة المسؤول الرفيع في وزارة الخارجية، تدهورت علاقته مع الخدمة المدنية البريطانية.

دور ستارمر الدولي أفضل

كان أداء ستارمر أفضل على الصعيد الدولي. فيما يتعلق بالحرب الروسية ضد أوكرانيا، أشاد به بعض القادة الأوروبيين الآخرين لمساهمته في قيادة «تحالف الراغبين» من الدول الراغبة في المساعدة في حال التوصل إلى اتفاق سلام، وقاد، إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، محادثات إعادة فتح مضيق هرمز.
حقق الزعيم البريطاني بعض النجاح في استمالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وذلك غالباً من خلال مدحه - حيث عرض عليه زيارة دولة ثانية إلى بريطانيا، وأشاد بجهوده لإحلال السلام في أوكرانيا، وإنهاء الصراعات الأخرى.
سرعان ما تحول ذلك إلى سيل من الانتقادات اللاذعة من الرئيس الأمريكي، الذي قال إنه ليس ونستون تشرشل بعد رفض ستارمر جر بريطانيا إلى الحرب على إيران. يوم الأحد، نشر ترامب على موقع «تروث سوشيال»: «سيستقيل كير ستارمر من منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة. فشل فشلاً ذريعاً في قضيتين بالغتي الأهمية. الهجرة والطاقة (افتحوا نفط بحر الشمال!)". أتمنى له التوفيق»

 إرث ستارمر.. تفكك نظام الحزبين

ويبقى أبرز أثار إرث ستارمر الدائم هو تفكك نظام الحزبين التقليدي في بريطانيا، إذ أظهرت الانتخابات المحلية في إنجلترا، والانتخابات البرلمانية في اسكتلندا وويلز، أن نظام الحزبين التقليدي في بريطانيا انهار تماماً، مع اكتساب حزب الإصلاح موطئ قدم قوياً في البلاد.
وبينما انخفضت أعداد أعضاء حزب العمال، ارتفعت أعداد أعضاء حزب الإصلاح، حيث انضم إليه أكثر من 270 ألف شخص. كان هذا التهديد هو ما كان يأمل ستارمر أن يضمن له الدعم، إذ صرّح لحزب العمال في فبراير/شباط الماضي بأن المعركة مع حزب الإصلاح هي «معركة حياتنا». لكنها معركة خسرها في نهاية المطاف.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة