أعاد وقف إطلاق النار الذي طال انتظاره قدراً، من الهدوء النسبي إلى لبنان، لكنه لم يُعدْ لحسين مرعي راحة البال.
فهو واحد من بين عشرات الآلاف الذين ما زالوا نازحين، لأن غارات إسرائيلية دمرت منازلهم أو لأن بلداتهم تقع ضمن شريط واسع من الجنوب يحتله الجيش الإسرائيلي، أو للسببين معاً، كما في حالته.
وقال المزارع، الذي كان يعيش في بلدة كفركلا الواقعة على الحدود والتي طالها الدمار: «ماذا استفدت؟ أنا غير قادر على العودة إلى قريتي التي ما زالت محتلة، بيتي راح ورزقي راح كل شي راح والقرية كلها راحت».
وتحدث مرعي، البالغ من العمر 39 عاماً، من داخل جامعة تستخدم كمأوى في مدينة صيدا الساحلية بجنوب لبنان، وذلك بعد أن ترسخ وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله اللبناني، يوم السبت.
وأضاف: «هجرنا وسنبقى مهجرين حتى في وقف إطلاق النار، ماذا استفدت؟».
خمس سكان لبنان نازحون
بدأ الجيش الإسرائيلي في أوائل مارس/آذار حملة جوية وبرية على لبنان، رداً على إطلاق جماعة "حزب الله" النار على إسرائيل دعماً لإيران.
ومع توسيع عملياته، أصدر أوامر للسكان بإخلاء مساحات واسعة من الجنوب، إضافة إلى مناطق في الشرق وقرب العاصمة بيروت، بعضها بعيد عن خطوط المواجهة، ونزح أكثر من 1.2 مليون شخص خلال القتال، أي نحو خمس سكان البلاد.
وفر معظم النازحين إلى منازل أقاربهم في مناطق أكثر أماناً، بينما انتقل عشرات الآلاف إلى مراكز إيواء تديرها الحكومة.
ويبدو أن وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 20 يونيو/حزيران الماضي، أتاح لبعضهم العودة إلى قراهم؛ إذ تشير أرقام السلطات اللبنانية إلى أن نحو 14 ألفاً غادروا مراكز الإيواء بحلول الأربعاء، من أصل أكثر من 103 آلاف كانوا فيها قبل اتفاق وقف إطلاق النار.
وقال مسؤولون محليون في بعض بلدات الجنوب هذا الأسبوع: إن عائلات بدأت العودة، لكن من الصعب تقدير الأعداد بدقة، بعدما وجد كثيرون منازلهم مدمرة.
ويفيد المجلس اللبناني للبحوث العلمية، بأن أكثر من 90 ألف وحدة سكنية تضررت، أو دمرت في البلاد منذ بداية الحرب في الثاني من مارس/آذار وحتى 12 يونيو/حزيران.
وقالت زهرة شحادة، والدة مرعي البالغة من العمر 64 عاماً: إنها تأمل أن توفر الحكومة مساكن، إذ إن كلفة الإيجار مرتفعة للغاية بالنسبة لعائلتها التي فقدت مصدر دخلها، بعد حرمانها من الوصول إلى مزرعتها في كفركلا.
لا تزال القوات الإسرائيلية منتشرة على عمق نحو 10 كيلومترات داخل الجنوب، وهي منطقة تضم عشرات القرى اللبنانية، ويقول مسؤولون إسرائيليون: إنها لا تزال محظورة على السكان.
وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قال في وقت سابق خلال الحرب: إن القوات ستدمر المنازل في القرى القريبة من الحدود، وإن السكان لن يُسمح لهم بالعودة قبل ضمان أمن شمال إسرائيل.
وقالت منظمة العفو الدولية في وقت سابق من هذا الشهر: إن استخدام إسرائيل لسياسة التهجير الجماعي وأوامر «عدم العودة» يُعد انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، فيما يؤكد الجيش الإسرائيلي، أن هذه الأوامر تهدف إلى حماية المدنيين من الخطر.
شبح نزوح طويل الأمد
يجري لبنان وإسرائيل مناقشات حول مقترح تدعمه الولايات المتحدة يقضي بأن تسلم القوات الإسرائيلية بعض الأراضي اللبنانية إلى الجيش اللبناني، غير أن حجم الأراضي التي قد تنسحب منها إسرائيل، وسرعة ذلك ما زالا غير واضحين.
وتستعد السلطات لاحتمال تفاقم أزمة نزوح طويلة الأمد، إذا استمر بقاء القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، وقال مسؤولون لبنانيون: إنهم يدرسون خيارات مثل المساكن سابقة التجهيز، أو برامج دعم نقدي للإيجارات، لكن الحصول على التمويل، وتوفير الأراضي المناسبة يشكلان تحدياً كبيراً.
وفي بيروت، أعلن مجلس بلدية المدينة الأربعاء أنه يمنح المقيمين في الخيام العشوائية على الأرصفة مهلة لجمع أمتعتهم «تمهيداً لإزالتها نهائياً خلال الساعات المقبلة»، ويترك هذا الوضع بعضهم من دون أي مكان يلجؤون إليه.
وقال علاء قبيصي، الذي ينحدر من بلدة زبدين في الجنوب: إن منازل عائلته تعرضت لأضرار بالغة للغاية، بحيث لا يمكنهم العودة إلى ديارهم، وكان قد فر إلى العراق خلال حرب عام 2024 بين إسرائيل و"حزب الله"، وأصبح الآن نازحاً مرة أخرى.
وقال الرجل البالغ من العمر 40 عاماً، في شوارع بيروت، بينما كان قماش خيمته المفككة مكدساً بجانبه: «المشكلة الأساسية، ليس عندي مكان».
وعانى لبنان جولات متكررة من الصراع والأزمات الاقتصادية في العقود القليلة الماضية، ما دفع مئات الآلاف من الناس إلى الهجرة، وجاءت أحدث حرب في الوقت الذي كان فيه البلد لا يزال يكافح من أجل التعافي من صراع عام 2024.