تواجه ألمانيا صعوبات جمة في استقطاب وتطويع جنود جدد، إذ يُتوقع أن تقرر في موعد أقصاه يوليو/ تموز من العام المقبل ما إذا كانت ستُعيد العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية، وفق ما صرح به رئيس لجنة الدفاع في مجلس النواب (البوندستاغ)، توماس روفيكامب.
ففي ظل تنامي التهديدات الروسية، وصعوبة التنبؤ بمواقف الولايات المتحدة الحليفة، يعتزم المستشار فريدريش ميرتس بناء أقوى جيش تقليدي في أوروبا، من خلال رفع عدد العسكريين المحترفين من 185 ألفاً إلى 260 ألفاً على الأقل بحلول عام 2035، واستُحدث لهذه الغاية نظاماً للخدمة العسكرية التطوعية، إلى جانب إجراء إحصاء وتعداد إلزامي للشباب في عام بلوغهم الثامنة عشرة.
غير أن البيانات الأولية خيَّبت الآمال، ما دفع إلى طرح فكرة فرض التجنيد الإلزامي لتعويض غياب المتطوعين؛ فالجيش لم يتمكن بين يناير/ كانون الثاني ومايو/ آيار الماضيين من تجنيد أكثر من 530 متطوعاً فقط، على الرغم من التواصل مع نحو 300 ألف شاب.
وقال روفيكامب: "إذا لم نتمكن من تحقيق هذه الأهداف عبر التطوع، فسيكون لزاماً علينا العودة إلى التجنيد الإلزامي، والقرار يجب أن يُتخذ بحلول 31 تموز/يوليو من السنة المقبلة".
«شكوك جدية»
وأضاف النائب المحافظ، أن لديه «شكوكاً جدية» في القدرة على تحقيق هذه الأهداف «الطموحة جداً» في حال الاكتفاء بالاعتماد على التطوع وحده. ولن تشمل الخدمة الإلزامية -في حال اعتمادها- المنتمين إلى فئة الـ18 عاماً، والمقدّر عددهم بنحو 350 ألف شاب ألماني.
وشرح روفيكامب، أن النظام الذي سيُعتمد سيكون أقرب إلى تجنيد سنوي لعدد الشباب اللازم فقط لبلوغ المستهدفات السنوية لرفع عديد الجيش.
وأوضح، أن مصدر قلقه الرئيسي «يتعلق بزيادة عدد العسكريين المحترفين والمتعاقدين؛ لأنهم هم من يقودون الطائرات الحربية، ويُبحرون بالسفن، ويقودون الدبابات، ويشغّلون أنظمة الدفاع الجوي من طراز باتريوت».
ورداً على سؤال بشأن حراك الشباب المناهضين للخدمة العسكرية الذين ينظّمون تحركات شعبية في ألمانيا، أعرب روفيكامب عن «تفهّمه لقلقهم»، مذكّراً بأن توعية الشباب بقضايا الأمن غابت منذ إلغاء الخدمة العسكرية عام 2011 بعد انتهاء الحرب الباردة، مردفاً: «لم نَعُدْ نتحدث مع الجيل الشاب عن مواضيع الحرب والسلام وضرورة الدفاع».
ودعا روفيكامب إلى «الشروع في إقامة حوار مع هذا الجيل»، منبّهاً أن برلين تتوقع أن تكون القوات المسلحة الروسية جاهزة بحلول عام 2029 لمواجهة عسكرية مباشرة مع الغرب.
التعجيل في إعادة التسلّح
ورأى أن أهداف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تتجاوز حربه في أوكرانيا، لتصل إلى التغلّب على الديمقراطيات الليبرالية الغربية، وشدّد من هذا المنطلق على ضرورة أن تُعجّل أوروبا في إعادة تسلّحها بشكل مستقل عن الولايات المتحدة؛ نظراً لرغبة دونالد ترامب في تقليص الوجود الأمريكي في القارة العجوز من جهة، ولأن قطاع الصناعات العسكرية الأمريكي غير قادر على تزويد الجيوش الأوروبية بالأسلحة في ظل توالي الأزمات الدولية من جهة أخرى.
وحضّ روفيكامب الأوروبيين على تطوير قدراتهم العسكرية بأنفسهم بناءً على الاحتياجات، وليس على أساس مصالح الصناعيين في البلدان، في إشارة إلى فشل المشروع الفرنسي-الألماني للطائرة المستقبلية (SCAF) بفعل التنافس بين شركتي «داسو» و«إيرباص».
وتابع النائب: «أقرّ عن طيب خاطر بأن مصالح صناعية وطنية كانت تحكم دائماً مشاريع التسلّح المشتركة في الماضي، بما في ذلك في ألمانيا، لكنني أعتقد أن من الواضح اليوم لجميع الأطراف أن هذه المصالح الضيقة لم تعد الإجابة المناسبة».
ورأى أن الشراكة الفرنسية-الألمانية لا تزال قائمة، مستشهداً بمثال مجموعة (KNDS) لصناعة الدبابات، بعد أن اتفقت برلين وباريس في يونيو/ حزيران الجاري على حوكمة متكافئة للشركة.
ومن المقرر أن تُناقَش هذه المسألة خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة مطلع يوليو/ تموز المقبل، وأعرب روفيكامب عن أمله في أن تصدر عن القمة رسالة واضحة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خاصة بعد الانعطافة الأخيرة للرئيس الأمريكي الذي أعرب عن دعمه لأوكرانيا، مستطرداً: «من الضروري اليوم أكثر من أي وقت مضى إعادة تأكيد إرادتنا في الاتحاد؛ لأنني أعتقد أن أحد أهداف الحرب التي يشنّها بوتين هو تقويض تماسك الحلف».