إعداد: أحمد البشير
في الوقت الذي تواصل فيه موجة الذكاء الاصطناعي إعادة تشكيل الأسواق العالمية، يجد المستثمرون الأوروبيون أنفسهم أمام تحدٍّ مختلف عن نظرائهم في الولايات المتحدة وآسيا. فبينما تزخر الأسواق الأمريكية والآسيوية بشركات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي العملاقة، تعاني أوروبا محدودية عدد الشركات المدرجة القادرة على توفير تعرض مباشر لهذا القطاع سريع النمو. ونتيجة لذلك، بدأ المستثمرون الأوروبيون بتبني استراتيجيات أكثر إبداعاً للرهان على مستقبل الذكاء الاصطناعي، من خلال الاستثمار في الشركات التي توفر البنية التحتية اللازمة لهذه الثورة التقنية أو تلك، التي ستستفيد من تطبيقاتها على نطاق واسع.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن شركات الطاقة والبنية التحتية والبنوك الأوروبية أصبحت وجهات استثمارية رئيسية للمستثمرين الذين يسعون إلى الاستفادة من طفرة الذكاء الاصطناعي من دون تحمّل التقييمات المرتفعة للغاية التي أصبحت تميز أسهم التكنولوجيا التقليدية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن شركات الطاقة والبنية التحتية والبنوك الأوروبية أصبحت وجهات استثمارية رئيسية للمستثمرين الذين يسعون إلى الاستفادة من طفرة الذكاء الاصطناعي من دون تحمّل التقييمات المرتفعة للغاية التي أصبحت تميز أسهم التكنولوجيا التقليدية.
أوروبا تفتقر لعمالقة الذكاء الاصطناعي
على عكس الولايات المتحدة، التي تضم شركات عملاقة مثل «إنفيديا» و«مايكروسوفت»، وكذلك الأسواق الآسيوية التي تحتوي على عدد كبير من شركات أشباه الموصلات والذاكرة الإلكترونية، لا تمتلك أوروبا سوى عدد محدود نسبياً من الشركات التكنولوجية الكبرى المدرجة في البورصات.
وتعكس الأرقام هذا الواقع بوضوح، إذ يمثل قطاع التكنولوجيا نحو 9% فقط، من مؤشر الأسهم الأوروبية «ستوكس 600»، مقارنة بنحو 44% من مؤشر «إس آند بي 500» الأمريكي. وعند التركيز على قطاع أشباه الموصلات تحديداً، تنخفض النسبة الأوروبية إلى 6% فقط، مقابل 19% في السوق الأمريكية.
وهذا النقص في الخيارات الاستثمارية المباشرة دفع المستثمرين إلى البحث عن فرص غير تقليدية للاستفادة من النمو المتوقع للذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى ظهور استراتيجيات استثمارية تعتمد على ما يعرف بمبدأ «الفؤوس والمجارف»، أي الاستثمار في الشركات التي توفر الأدوات والبنية الأساسية اللازمة لازدهار القطاع.
شركات الطاقة والبنية التحتية
أصبحت شركات الكهرباء والطاقة والبنية التحتية من أبرز المستفيدين من التوسع الهائل في مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، إذ تتطلب هذه التقنيات كميات ضخمة من الطاقة الكهربائية والبنية التحتية المتطورة.
وتعزز الحكومات الأوروبية هذا الاتجاه من خلال برامج استثمارية ضخمة، حيث خصص الاتحاد الأوروبي أكثر من 800 مليار يورو لدعم مشاريع إزالة الكربون، وتطوير شبكات الطاقة، بينما أطلقت ألمانيا برنامجاً مالياً مستقلاً بقيمة 500 مليار يورو لتعزيز البنية التحتية والطاقة.
وقد انعكس هذا التوجه على أداء العديد من الشركات الأوروبية الكبرى. فقد ارتفعت أسهم شركة «شنايدر إلكتريك» الفرنسية بنحو 28% خلال العام الماضي، بينما قفزت أسهم شركة «بريزميان» الإيطالية بنحو 150%، وارتفعت أسهم شركة «سيمنس إنيرجي» بنسبة تقارب 66%.
كما برزت شركة «إيه بي بي» واحدة من أكبر المستفيدين من طفرة الذكاء الاصطناعي، نظراً لدورها في توفير أنظمة توزيع الطاقة المستخدمة في مراكز بيانات شركة «مايكروسوفت»، فضلاً عن تعاونها مع شركة «إنفيديا» لتطوير بنية كهربائية جديدة لمراكز البيانات العملاقة المستقبلية.
ويعكس هذا الاتجاه حقيقة بسيطة، وهي أن الإنفاق الضخم الذي تقوم به شركات التكنولوجيا العملاقة على الذكاء الاصطناعي يتحول في النهاية إلى إيرادات للشركات التي تزودها بالطاقة والمعدات والبنية التحتية.
تقييمات أكثر جاذبية للمستثمرين
لا يقتصر اهتمام المستثمرين بهذه الشركات على ارتباطها بالذكاء الاصطناعي فحسب، بل يمتد أيضاً إلى جاذبية تقييماتها المالية مقارنة بأسهم التكنولوجيا التقليدية.
فقد ارتفع مضاعف الربحية المستقبلي لمؤشر شركات أشباه الموصلات الأوروبية إلى نحو 45 مرة، وهو أعلى مستوى له منذ الأزمة المالية العالمية. وفي المقابل، تتداول أسهم الشركات الصناعية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عند مضاعفات ربحية تبلغ نحو 30 مرة فقط، بينما يتم تداول العديد من الشركات المستفيدة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي عند مستويات تقل عن 15 مرة من الأرباح المستقبلية.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن هذا الفارق الكبير في التقييمات يجعل شركات الطاقة والبنية التحتية والصناعة خياراً أكثر جاذبية، خاصة في ظل المخاوف المتزايدة بشأن المبالغة في تقييم بعض أسهم الذكاء الاصطناعي التقليدية.
البنوك الأوروبية مستفيد غير متوقع
إلى جانب شركات الطاقة، بدأت البنوك الأوروبية تبرز باعتبارها من أكبر المستفيدين المحتملين من الذكاء الاصطناعي، خلال السنوات المقبلة.
وتشير تقديرات المؤسسات المالية العالمية إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع إنتاجية القطاع المصرفي بنسبة تصل إلى 50%، خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، من خلال أتمتة العمليات، وتحسين إدارة المخاطر، وتسريع الخدمات، وتقليل التكاليف التشغيلية.
وقد بدأت بعض البنوك الكبرى بالفعل في وضع أهداف طموحة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي. إذ يستهدف بنك «بانكو سانتاندير» تحقيق أكثر من مليار يورو من القيمة التجارية الإضافية الناتجة عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بين عامي 2026 و2028، من خلال زيادة الإيرادات وخفض التكاليف.
كما تتوقع مجموعة «إتش إس بي سي» إطلاق أكثر من 200 تطبيق جديد للذكاء الاصطناعي خلال العامين المقبلين، في إطار جهودها لتحسين الكفاءة التشغيلية وتعزيز تجربة العملاء.
ويرى الكثير من مديري الأصول أن القطاع المصرفي أصبح يظهر بصورة متزايدة كأحد أكبر المستفيدين من الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في ما يتعلق بخفض التكاليف وزيادة الإنتاجية.
هل أصبحت أسهم الذكاء الاصطناعي التقليدية باهظة الثمن؟
على الرغم من استمرار أهمية شركات التكنولوجيا الكبرى المرتبطة مباشرة بالذكاء الاصطناعي، فإن بعض المستثمرين بدأوا يعيدون تقييم مراكزهم الاستثمارية بسبب الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها هذه الأسهم.
ولا تزال شركات مثل «إيه إس إم إل»، و«بي إي سيميكوندكتور إندستريز»، تُعتبر من الأصول الأساسية في قطاع الذكاء الاصطناعي الأوروبي، إلا أن الكثير من مديري الصناديق يرون أن ازدحام المستثمرين داخل هذه الأسهم أدى إلى رفع تقييماتها إلى مستويات مرتفعة للغاية.
وقد ظهر هذا القلق بوضوح خلال الأسابيع الأخيرة، عندما شهدت الأسواق العالمية موجة من التقلبات دفعت المستثمرين إلى بيع بعض أسهم الذكاء الاصطناعي الرئيسية، نتيجة تزايد المخاوف من تضخم التوقعات طويلة الأجل.
هل تكون هذه لحظة أوروبا؟
يرى عدد من المحللين أن المرحلة المقبلة قد تمثل فرصة تاريخية لأوروبا للاستفادة من ثورة الذكاء الاصطناعي بطريقة مختلفة عن الولايات المتحدة وآسيا. فبدلاً من المنافسة المباشرة في تصنيع الرقائق الإلكترونية أو تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة، يمكن لأوروبا أن تحقق مكاسب كبيرة من خلال القطاعات التي تتمتع فيها بميزات تنافسية تقليدية، مثل الصناعة، والطاقة، والرعاية الصحية، والاتصالات، والخدمات المالية.
ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، يبدو أن المستثمرين لم يعودوا يبحثون عن الشركات التي تطور هذه التكنولوجيا فقط، بل أصبحوا يركزون بشكل متزايد على الشركات التي تستطيع استخدامها بأفضل صورة لتحقيق مكاسب إنتاجية وتشغيلية مستدامة.
وبهذا المعنى، لم يعُد السؤال الأساسي في الأسواق العالمية هو: «من يطوّر الذكاء الاصطناعي؟»، بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: «من يستطيع الاستفادة منه بأكبر قدر ممكن؟». وقد تكون الإجابة عن هذا السؤال هي ما سيحدّد الرابحين الحقيقيين في المرحلة المقبلة من ثورة الذكاء الاصطناعي.