مرَّ تاريخ علم النفس بنفس المراحل التي مر بها تاريخ الفكر عموماً، ابتداء من الأفكار الأسطورية والغيبية إلى مختلف المحاولات المثالية، ولا تزال جميع هذه الأفكار والمدارس توجد وتتصارع فيما بينها، لذلك كان واجب المؤرخ عبئاً ثقيلاً إذا ما أراد بإخلاص أن يبين تشابك هذه الأفكار وعلاقاتها، وأين تتصل وأين تنفصل.
تاريخ علم النفس لا يزال ينتظر من يكتبه من وجهة نظر المادية العلمية، على أنه يبدو لأول وهلة أن تاريخ علم النفس إنما يعاني مزيداً من النقد لا مزيداً من التمسك بالعقائد فتاريخه يبدو أنه سلسلة من النقد: نقد السيكولوجيا الفلسفية القديمة على يد المدرسة المسماة بالعلمية، ونقد السيكولوجيا العلمية على يد أتباع فونت، لذلك لم يكن غريباً أن تظل المكتبة العربية مفتقرة إلى كتاب في تاريخ علم النفس، رغم التقدم الكبير في دراسته.
من هنا يمكن أن نقرأ كتاب «علم النفس في مئة عام» لمؤلفه «ج. ل. فلوجل» ترجمة لطفي فطيم، ففي خلل فترة زمنية محددة هي مئة عام، يتعرض المؤلف للتيارات الفكرية الأساسية في علم النفس، متناولاً جذورها ومتتبعاً إياها في منعرجات التطور ودروبه المتشعبة، ليصل بنا في النهاية إلى صورة متكاملة نسبياً، مع وضوح في العرض وبراعة فائقة في الربط بين مختلف الأفكار.
يرى «فلوجر» أن القيمة التي نحصل عليها من دراسة علم بعينه لا تكمن في مجرد فهم الحقائق والمبادئ المتعلقة به، وإنما تكمن في تأمل صراع العقل الإنساني مع المشاكل الخاصة بهذا العلم، ثم في إدراك كيف نتجت معارفنا الحالية من التغلب على العقبات، واستنباط الأساليب ولمحات الإلهام، وتصحيح الأخطاء، وصراع الآراء، وقبل هذا وذاك من الممارسة اليومية والتجريب التي يقوم بها جمع كبير من الباحثين.
يوضح الكتاب أن المنهج العلمي الوحيد في التأريخ هو المنهج الجدلي، والصراع بين فكر قديم وجديد فكر قديم نابع من ظروف اجتماعية ومعرفية مرتبطة بزمانها وظروف وجودها، وفكر جديد هو تعبير عن واقع اجتماعي ومعرفي متغير.