د.عبدالعزيز المسلم: التقاليد الشفاهية ذاكرة حية
أسدل معهد الشارقة للتراث، مساء الجمعة، الستار على أعمال الدورة الثالثة من مؤتمر التراث، بعد أربعة أيام من الحراك العلمي والمعرفي الذي جمع نخبة من العلماء والباحثين والأكاديميين والخبراء من مختلف الدول العربية.
وانعقد المؤتمر تحت شعار «التقاليد الشفاهية في عالم متغير: من الأداء الحي إلى الوسائط الرقمية»، ليقدم نموذجاً متقدماً في توظيف البحث العلمي لخدمة التراث، جامعاً بين عمق التأصيل النظري وآفاق الابتكار الرقمي، في إطار رؤية ثقافية تؤمن بأن صون الموروث لا يقتصر على حفظه؛ بل يمتد إلى تجديد أدوات حضوره واستدامة أثره في الوعي الإنساني.
وفي البيان الختامي، استعرض الباحث محمد سعيد البلوشي، من قطر، أبرز توصيات الدورة الثالثة، موضحاً أنها تمثل إطاراً استرشادياً للمؤسسات الثقافية والأكاديمية والبحثية، وتعكس مخرجات علمية قابلة للتحول إلى برامج ومبادرات عملية.
وأكدت التوصيات أهمية تطوير المنصات الرقمية، وتوسيع برامج التوثيق الميداني، والاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في جمع التراث الشفاهي وأرشفته وتحليله، مع صون خصوصيته وأصالته، إلى جانب دعم البحث العلمي، وتعزيز الشراكات بين المؤسسات الثقافية والجامعات، وترسيخ حضور التراث الشفاهي في المناهج التعليمية، وتمكين الشباب من الإسهام في حفظه ونقله، وتوسيع آفاق التعاون العربي والدولي في مجال التراث الثقافي غير المادي.
تكريم
شهدت الجلسة الختامية تكريم العلماء والباحثين والمتحدثين والمشاركين، تقديراً لإسهاماتهم العلمية التي أثرت أعمال المؤتمر وأسهمت في نجاحه.
واختتمت الفعاليات بعرض تراثي قدمته فرقة الشارقة الوطنية، استحضرت فيه ألواناً من الفنون الشعبية الإماراتية، في لوحة نابضة بالأصالة أكدت أن التقاليد الشفاهية ليست مادة للتوثيق فحسب، وإنما ممارسة ثقافية متجددة، تحفظها الذاكرة الجمعية، وتورثها الأجيال بوصفها أحد أهم تجليات الهوية الوطنية. وقدمت مريم الشالوبي مقطوعات موسيقية جسدت عمق المعاني بين التراث والحداثة.
ولم يكن المؤتمر مجرد ملتقى أكاديمي لتبادل الأوراق البحثية، بل شكّل فضاء معرفياً لصياغة رؤى مستقبلية حول التقاليد الشفاهية، وتعزيز التكامل بين المؤسسات الثقافية والجامعات ومراكز البحث، بما يرسخ مكانة التراث بوصفه ركيزة للهوية الوطنية وذاكرة حية للأمم.
حوار علمي يعانق المستقبل
وعلى امتداد جلساته العلمية، ناقش المؤتمر جملة من القضايا الفكرية والمنهجية المرتبطة بالتقاليد الشفاهية، بدءاً من تأصيل مفاهيمها ووظائفها الثقافية، مروراً بتحديات صونها في العصر الرقمي، وصولاً إلى توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في جمعها وتوثيقها وأرشفتها وتحليلها، مع استعراض تجارب عربية أثرت النقاش، وقدمت نماذج عملية في حماية التراث الثقافي غير المادي.
وفي امتداد لدوره العلمي، شهد المؤتمر توقيع 35 إصداراً جديداً في مجالات التراث والثقافة الشعبية والدراسات المتخصصة، في خطوة تعكس الحراك البحثي الذي يقوده معهد الشارقة للتراث، ودوره في إثراء المكتبة العربية، وتعزيز الإنتاج العلمي المتخصص، وترسيخ ثقافة التأليف والتوثيق بوصفها إحدى ركائز حماية التراث واستدامته.
منصة عربية
أكد د.عبدالعزيز المسلم، رئيس المعهد، ورئيس المؤتمر، أن الدورة الثالثة حققت أهدافها العلمية والمعرفية، ورسخت مكانة المؤتمر منصة عربية متخصصة للحوار حول قضايا التراث الثقافي غير المادي، مشيراً إلى أن ما شهده من أوراق بحثية رصينة، ونقاشات علمية عميقة، وتنوع في الخبرات المشاركة، يعكس النضج الذي بلغته هذه المبادرة العلمية منذ انطلاقها.
وقال: التوصيات التي خرج بها المؤتمر تمثل خلاصة جهد علمي جماعي، وتشكل منطلقاً لتطوير برامج ومشروعات نوعية تسهم في تعزيز جهود البحث والتوثيق والصون. وأكد أن التقاليد الشفاهية ليست مجرد موروث يُحفظ في الأرشيف، بل ذاكرة حية تنبض بقيم المجتمعات وهويتها، وأن صونها يقتضي المحافظة على سياقاتها الأصيلة، وتمكين المجتمعات الحاملة لها، مع توظيف الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي بوصفها أدوات داعمة تسهم في نقل هذا الإرث الإنساني إلى المستقبل.
وأضاف المسلم أن المعهد سيواصل تطوير المؤتمر، بما يواكب التحولات العالمية في مجال التراث، ويعزز حضور الشارقة مركزاً عربياً للإنتاج المعرفي والبحث العلمي في مجال التراث الثقافي.
إشادة
أعرب د.راشد بن أحمد المزروعي، شخصية المؤتمر، عن اعتزازه بالتكريم الذي حظي به، مؤكداً أن هذا التقدير يمثل مسؤولية متجددة لمواصلة خدمة التراث الوطني، والعمل على حفظه وصونه للأجيال المقبلة.
وأشاد بالمضامين العلمية التي احتضنها المؤتمر، وما طرحه من رؤى عميقة وتجارب نوعية، مؤكداً أن هذه التظاهرة العلمية تجسد رسالة معهد الشارقة للتراث في تحويل الموروث الثقافي إلى مشروع معرفي متجدد، يعزز الهوية، ويصون الذاكرة الجمعية، ويربط الماضي بآفاق المستقبل.