مع دخول فصل الصيف وبدء تطبيق حظر العمل وقت الظهيرة لحماية العمالة من الإجهاد الحراري، للعام الثاني والعشرين على التوالي، تتجدّد التحذيرات من المخاطر الصحية المرتبطة بالتعرض المباشر لأشعة الشمس، خاصة في ظل توقعات بتجاوز درجات الحرارة 50 درجة مئوية، في بعض المناطق، وبينما تواصل الجهات المعنية تعزيز إجراءات الوقاية وحماية العاملين في المواقع المكشوفة، يؤكد مختصون أن ضربة الشمس لا تقتصر على الشعور بالإجهاد، أو العطش، بل قد تتحول إلى حالة طبية طارئة تهدّد الحياة، وتؤثر في القلب والدماغ والكلى، وأعضاء حيوية أخرى.
حذّرت مختصات في القطاع الصحي، من المخاطر الصحية الناجمة عن التعرض المباشر لأشعة الشمس، ودرجات الحرارة المرتفعة، وكشفن ل«الخليج» كيفية التعامل مع ضربات الشمس، خصوصاً أن بعض الحالات الحرجة تحتاج إلى تدخل فوري.
توقع المركز الوطني للأرصاد أن تشهد الدولة، خلال العام الجاري، درجات حرارة حول، أو أعلى من المعدل المعتاد، نتيجة تأثير ظاهرة النينيو، فيما تُرجّح التوقعات تجاوز درجات الحرارة 50 درجة مئوية، في بعض المناطق، خلال فصل الصيف، خاصة في المناطق المكشوفة والصحراوية.
وقالت الدكتورة فتحية النقبي، استشارية طب الطوارئ، إن ضربة الشمس تُعامل كحالة إسعافية مهدّدة للحياة، حيث يبدأ الفريق الطبي بتقييم مجرى التنفس، والتنفس، والدورة الدموية (ABC)، وقياس الحرارة الأساسية للجسم، ومراقبة القلب، وضغط الدم، ومستوى الوعي، ثم البدء فوراً بالتبريد النشط، مع إعطاء السوائل الوريدية وإجراء فحوص وظائف الكلى، والكبد، والأملاح، والتخثر. وأوضحت أن درجة الحرارة التشخيصية غالباً ما تكون 40 درجة مئوية، أو أكثر، مع وجود خلل عصبي مثل الارتباك، أو التشنجات، أو فقدان الوعي، مؤكدة أن العلاج الأساسي هو التبريد السريع، فيما يُعد الغمر بالماء البارد، أو المثلّج الأسرع عند توفره.
وأضافت أن الحالة تُعد حرجة وتحتاج إلى إدخال فوري إذا وُجدت حرارة جسم تقارب، أو تتجاوز 40 درجة مئوية، أو اضطراب في الوعي، أو تشنجات، أو هبوط في ضغط الدم، أو اضطراب في نظم القلب، أو فشل كلوي، أو اضطراب في وظائف الكبد، أو التخثر، أو علامات فشل أعضاء.
وأشارت إلى أن الجاهزية للتعامل مع هذه الحالات تشمل تدريب الطواقم الطبية على التعرف المبكر إليها، وتفعيل مسار طوارئ للتبريد السريع، وتوفير السوائل الوريدية ومعدات التبريد، وتجهيز منطقة إنعاش، وإجراء مراقبة مخبرية سريعة، ووضع خطة تصعيد للحالات التي تستدعي العناية المركزة.
وعلى الرغم من عدم وجود ما يسمى عالمياً «غرفة ضربة شمس»، فإن العلاج يتم غالباً داخل غرفة إنعاش، أو حرج مجهزة بأجهزة مراقبة مستمرة، وقياس الحرارة الأساسية، والوأكسجين، والسوائل الوريدية، إضافة إلى أدوات الإنعاش القلبي.
وأكدت الدكتورة هبة الجزولي، أخصائية طب الأسرة في أبوظبي، أن طرق الوقاية تختلف بحسب العمر والحالة الصحية، فالأطفال يحتاجون إلى حماية مضاعفة، وتقليل التعرض المباشر للشمس قدر الإمكان، بينما يحتاج كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة إلى الاهتمام بالترطيب، وتجنب الإجهاد الحراري، واستخدام واقٍ شمسي مناسب، مشيرة إلى أن بعض الحالات، الجلدية أو الدوائية، قد تتطلب استشارة طبية.
وأشارت إلى أن الملابس والمستحضرات الواقية من الشمس تلعب دوراً مهماً جداً في تقليل الضرر الناتج عن الأشعة فوق البنفسجية، لكنها تكون أكثر فاعلية عند استخدامها معاً، موضحة أن الملابس طويلة الأكمام، والمنسوجات الكثيفة، أو المصممة بعامل حماية من الأشعة فوق البنفسجية، تساعد في تقليل تعرض الجلد المباشر، فيما تحمي القبعات عريضة الحواف الوجه والأذنين والرقبة، وتساعد النظارات الشمسية في حماية العينين والمنطقة المحيطة بهما، كما يسهم الواقي الشمسي في تقليل خطر حروق الشمس، والتلف التراكمي للجلد.
المشكلة الشائعة
لفتت هبة الجزولي، إلى أن المشكلة الشائعة لا تكمن في نوع المستحضر المستخدم فقط، وإنما في طريقة الاستعمال، حيث يضع كثير من الأشخاص كمية أقل من المطلوب، أو ينسون إعادة وضعه كل ساعتين تقريباً، أو بعد التعرق والسباحة، ويهملون مناطق مهمة، مثل الأذنين، والرقبة، وظهر اليدين والقدمين.
وأضافت أن الأعراض الناتجة عن التعرض المباشر لأشعة الشمس تنقسم إلى أعراض جلدية وأخرى جهازية، موضحة أن الاحمرار والجفاف يتطلبان التبريد الفوري، باستخدام كمادات ماء بارد أو أخذ حمام بارد، كما يمكن عند الحاجة استخدام كريم هيدروكورتيزون بتركيز خفيف 1% لتقليل الاحمرار الشديد والتهيّج، وتناول مضادات الهيستامين.
وأوضحت أن الدوخة والصداع والغثيان مؤشرات على بداية الجفاف، أو الإنهاك الحراري، ما يستدعي الانتقال فوراً إلى مكان مظلل ومكيف، وتعويض السوائل والأملاح المفقودة، ويفضل استخدام محاليل الإماهة المعوضة للجفاف، أو المشروبات الرياضية لتعويض الأملاح المفقودة مع العرق، كما يُنصح بالاستلقاء مع رفع القدمين قليلاً للمساعدة في تدفق الدم إلى الدماغ، وتخفيف الدوخة.
الشيخوخة الضوئية
يسرع الارتفاع المستمر في مؤشر الأشعة فوق البنفسجية ظهور علامات الشيخوخة الضوئية، والتصبغات الجلدية المستعصية، مثل الكلف والنمش، كما يزيد من خطر الإصابة بأورام الجلد عند التعرض المباشر لأشعة الشمس لساعات طويلة، وعلى المدى الطويل.
ولفتت هبة الجزولي، إلى أن الاستعدادات المتخذة مع اقتراب ذروة فصل الصيف تشمل تجهيز أقسام الطوارئ ببروتوكولات التبريد السريع، وتوفير مخزون استراتيجي من المحاليل الوريدية لتعويض الجفاف، وتدريب الكوادر الطبية على الفرز السريع، والتعامل الفوري مع حالات ضربات الشمس والإنهاك الحراري.
لا تؤثر درجات الحرارة المرتفعة في عضو واحد فقط، بل تمتد آثارها إلى القلب، والدماغ، والرئتين، والكلى، والجهاز الهضمي، والعضلات، والجلد، وأوضحت الدكتورة ناجين جاويد، طبيبة عامة، أن ارتفاع حرارة الجسم يؤدي إلى توسع الأوعية الدموية، وانخفاض ضغط الدم، ما يدفع القلب إلى زيادة سرعة النبض للحفاظ على تدفق الدم، الأمر الذي يشكل عبئاً إضافياً على الجهاز القلبي الوعائي، وقد يؤدي إلى اضطرابات في نظم القلب أو نوبات قلبية.
المضاعفات الصحية
ترى الدكتورة عائشة خالد، استشارية طب الأسرة، أن الجفاف والمضاعفات الصحية الخطرة يرتبطان ارتباطاً وثيقاً، لأن الماء ضروري للحفاظ على الدورة الدموية وتنظيم درجة حرارة الجسم، ودعم وظائف الأعضاء. وأوضحت أن فقدان كميات كبيرة من السوائل عبر التعرّق يؤدي إلى انخفاض حجم الدم، وزيادة الجهد على القلب، وتقليل تدفق الدم إلى الكلى، ما يزيد من خطر الإصابة بالإنهاك الحراري، واختلال توازن الأملاح والمعادن، والإصابة الكلوية الحادة.
صورة تعبيرية معمولة بالذكاء الاصطناعي