لم تعد الجامعات اليوم مؤسسات لإنتاج المعرفة فحسب، بل أصبحت شريكاً أساسياً في بناء اقتصادات أكثر استدامة وقدرة على الابتكار. فعلى مدى عقود، ساهمت المراكز البحثية الرائدة حول العالم في تصدير اكتشافات وحلول شكلت أساسًا لقيام صناعات كبرى.
أما اليوم، فتتجه الدول بشكل متزايد نحو بناء اقتصادات مستدامة من خلال تطوير حلول تستجيب مباشرة لاحتياجاتها المحلية وتعزز قدرتها على المنافسة عالميًا، وهو ما عزز دور الجامعات بوصفها محركاً رئيسياً في إنتاج المعرفة التطبيقية ودعم التنمية الاقتصادية.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، تبنت الدولة هذا التوجه ضمن جهودها الرامية إلى تطوير اقتصاد قائم على المعرفة. ونتيجة لذلك، أصبحت الجامعات مطالبة ليس فقط بإنتاج المعارف والبحوث، بل أيضًا بترجمتها إلى براءات اختراع وشركات ناشئة وتطبيقات عملية، إلى جانب إعداد كفاءات محلية قادرة على قيادة هذا التحول.
وتبرز الجامعة الأميركية في الشارقة ضمن هذا المشهد نموذجاً لجامعة فاعلة في منظومة ابتكار أوسع، من خلال تحويل البحث العلمي إلى حلول مطوّرة محليًا تسهم في معالجة تحديات وطنية وعالمية في آن واحد.
يقوم هذا النموذج على تكامل واضح بين البحث العلمي والتعليم والابتكار. ففي الجامعة الأميركية في الشارقة، يعمل أعضاء الهيئة التدريسية والطلبة ضمن بيئة بحثية نشطة تدعمها مراكز ومجموعات بحثية متعددة التخصصات، تشمل مجالات الاستدامة والتصنيع والرعاية الصحية والصناعات الإبداعية، تقوم من خلالها بتحويل الأفكار البحثية إلى فرص قابلة للتطوير، بدلًا من أن تبقى محصورة داخل المختبرات أو القاعات الدراسية.
وبالطبع، لا تعمل الجامعة بمعزل عن محيطها، بل تؤدي دورًا محوريًا ضمن منظومة الابتكار في إمارة الشارقة، التي تقوم على نموذج يربط بين الأوساط الأكاديمية وقطاع الصناعة والحكومة، بحيث تسهم الجامعة الأميركية في الشارقة من خلالها في دعم اقتصاد المعرفة في دولة الإمارات عبر تطويرها للبحوث العلمية وإعداد المواهب وربطها بمسارات إنشاء مشاريع من خلال مركز الشارقة لريادة الأعمال "شراع"، وبمسارات توسع وتطبيق صناعي من خلال مجمع الشارقة للبحوث والتكنولوجيا والابتكار، وهو ما يساعد على نقل الأفكار من المختبر إلى السوق.
ويكتسب هذا النموذج زخماً إضافياً من خلال شراكات إقليمية وعالمية توسّع نطاق التعاون البحثي، وتفتح آفاقاً أوسع للابتكار وتبادل المعرفة، بما يعزز قدرة الجامعة على تحويل الأبحاث إلى أثر ملموس. ويُجسّد أستاذ العمارة أحمد مختار هذا النظام البيئي للابتكار، والذي ركز على إيجاد حلول للاستهلاك المرتفع للمياه في مناطق الوضوء بالمساجد في المنطقة، ليطوّر نظام "سهولة" لتوفير المياه.
وقد انتقل المشروع من فكرة بحثية إلى حل قابل للتطبيق، حيث جرى تسجيله من خلال طلب براءة اختراع في دولة الإمارات، ثم احتضانه عبر مجمع الشارقة للبحوث والتكنولوجيا والابتكار ومركز الشارقة لريادة الأعمال "شراع"، ليصبح اليوم شركة ناشئة يقودها طلبة، حصلت على تمويل أولي في عام 2025.
ولا يقتصر هذا التوجه على مشروع واحد. فقد منحت الجامعة الأميركية في الشارقة 351 منحة بحثية داخلية خلال عامي 2025 و2026 وحدهما، بقيمة تجاوزت 31 مليون درهم إماراتي. كما سجلت 16 إفصاحاً عن اختراعات، إلى جانب عدد من طلبات براءات اختراع في دولة الإمارات والولايات المتحدة، من بينها طلب مقدم بموجب معاهدة التعاون بشأن البراءات، التي تتيح حماية الاختراعات في عدة دول.
وتعكس محفظة براءات الاختراع في الجامعة عملية بحثية مستمرة ومتنامية تتعامل مع تحديات مرتبطة بالمنطقة واحتياجاتها. فقد حصل باحثو الجامعة الأميركية في الشارقة على براءات اختراع في مجالات متعددة، من بينها خرسانة مطبوعة ثلاثية الأبعاد ذاتية التسليح تلبي متطلبات البناء في منطقة الخليج، وأنظمة خرسانة موصلة مصممة لتعزيز مرونة البنية التحتية، وتقنيات قائمة على الرادار لها تطبيقات في سلامة النقل والاستجابة للطوارئ. ولا تمثل هذه المخرجات البحثية حلولًا عامة، بل حلولًا مصممة بعناية وفقًا للسياق الجغرافي والاقتصادي الذي تعمل فيه الجامعة.
وفي مجال أبحاث الاستدامة، يعكس العمل الذي يقوده الدكتور ستيف غريفيث، أستاذ ونائب مدير الجامعة لشؤون البحث العلمي، هذا التوجه أيضًا. فقد اختير بطلًا وطنيًا لدولة الإمارات في جائزة "فرونتيرز بلانيت"، عن دراسته المنشورة في مجلة "نيتشر ريفيوز كيميستري"، والتي تناولت كيفية توظيف تقنيات التقاط الكربون في البيئات الصناعية الفعلية، ودورها في دعم التقدم نحو تحقيق الحياد المناخي.
إن ما يجمع بين هذه الأمثلة ليس جودة المشاريع البحثية فحسب، بل قوة المنظومة التي تستند إليها، والتي توفر مسارًا متكاملًا يربط بين العمل الأكاديمي والتطبيق العملي. وفي ظل تطور اقتصاد المعرفة في دولة الإمارات، تحولت الجامعة الأميركية في الشارقة إلى مرجع وأساس ضمن منظومة الابتكار الأوسع، لقدرتها على تحويل البحث العلمي إلى حلول تحقق قيمة مجتمعية واقتصادية.