على امتداد التاريخ، اقترنت الفنون التشكيلية بقضايا الإنسان، واتخذته محوراً للتجربة ومنبعاً لأسئلة الوجود والذاكرة، عبرت عنه في لحظات الفرح كما في أزمنة القلق، ورصدت في عزلته صوته الداخلي، فالفنون التي تنحاز إلى الإنسان وترسم ملامحه تحاول دوماً أن تكشف ما خلف الوجه من حكايات، فيتحول التكوين الفني إلى مسرح تتحاور فيه الشخصيات.
يعتبر الفنان سالم الجنيبي، أحد الفنانين الذين التقطوا هذه الومضة الإنسانية، ونتأمل اليوم لوحته التشكيلية المدهشة «سيمفونيات بشرية»، والتي سكب فيها عصارة خبرته الفنية، وسحر ضربات الفرشاة، في عمل تشكيلي يقوم على فكرة الجماعة الإنسانية على هيئة فرقة موسيقية، أو ربما أراده الفنان تصويراً لمجتمع صغير تتحاور فيه الأصوات والأجساد والآلات، وتبدأ الدهشة من العنوان نفسه والذي يفتح باب القراءة والتأويل على مصراعيه، موسيقى الآلات أم موسيقى الوجود الإنساني، حيث لكل شخصية إيقاعها، ولكل جسد نغمته، في بناء فني لهذا المشهد بروح تعبيرية، تمزج بين العفوية، والرمزية.
*مشهد
المتأمل للوحة يجد أنها في تكوينها العام تجسد ما يمكن أعتباره فرقة موسيقية، مع توزيع أفقي للشخصيات، داخل مساحة لونية واسعة يغلب عليها اللون الوردي مع تدرجات البنفسجي في الخلفية، ليتشكل من هذا التدرج فضاء وجداني يحتضن المشهد، ويمنح العمل طاقة دافئة وحالمة، ولكن المفارقة الفنية تحضر في المشهد، حيث يثير فينا الفنان شيئاً من التوتر والحيرة، وهو ما نستشعره في الضربات اللونية الرمادية المتناثرة على سطح الخلفية، ولعل الفنان هنا أراد بهذا الأمر كسر نعومة اللون، وفتح نافذة تقودنا إلى فكرة أن الموسيقى البشرية وبالرغم من احتفائها بالفرح، لكنها في طياتها هي أيضاً تعبر عن الألم، والخذلان، والتعب، هذا ما قد يفسر ما ذهب إليه الفنان من خلق هذا الجو المتوتر لونياً في غمرة ألوان الفرح.
سالم الجنيبي
تقع العين من اللمحة الأولى للوحة، على عازف «الكونترباص» في مركز اللوحة، وهي آلة وترية كبيرة تشبه الكمان، ونلاحظ هنا أنها وقعت في قلب التكوين، هذه الآلة الموسيقية في شكلها الضخم واستدارتها الممتلئة، أصبحت محوراً بصرياً للعمل، حيث تكاد تكون شخصية مستقلة داخل اللوحة، كما يمكن أن نستشعر أنها مركز الثقل العاطفي، وكأن الفنان يقول إن الموسيقى هنا هي القلب الذي يجمع الشخصيات، أو اللغة المشتركة التي تمنح البشر قدرة على التلاقي رغم اختلاف ملامحهم وأوضاعهم.
تجتمع حول عازف «الكونترباص»، شخصيات موزعة بطريقة مسرحية، هذا التعدد في المواقع والأدوار يمنح اللوحة إحساساً حالماً، فالأجساد تبدو متداخلة، والأطراف غير مكتملة أحياناً، والحدود مرسومة بخطوط داكنة، وهذا إتقان من الفنان أسهم في تعزيز الطابع التعبيري للوحة.
*رؤية
تميزت رؤية الجنيبي في ما يخص الألوان، ويتجلى ذلك في التنوع والتداخل بينها، فكل لون له رمزية ودلالة تحضر بقوة داخل العمل، وتداخلات الأزرق والرمادي والأصفر على الوجوه، يمنح الشخصيات مسحة من الغرابة والبعد عن الواقعية، وكأنها وجوه إنسانية عامة، لكن المثير للدهشة أنها وجوه صامتة، رغم أن المشهد قائم على الموسيقى، وجوه أقرب إلى التأمل، وربما إلى الحياد الحزين، وكأن الفنان يريد وضع المتلقي أمام الحقيقة المجردة، ويقول له، إنها موسيقى تنبع من الصمت، من تلك العلاقة الغامضة بين البشر حين يجمعهم فعل واحد، حتى لو ظل كل واحد منهم محتفظاً بعزلته الخاصة.
الفكرة تتجاوز مشهد العزف إلى رؤية أوسع عن الإنسان، فالبشر يشكلون سيمفونية معقدة، تتكون من أصوات متعددة، بعضها واضح وبعضها خافت، كل شخصية في اللوحة تحمل حضوراً مختلفاً، وفي هذا التنوع تظهر قيمة الجماعة الإنسانية، حيث لا يكتمل المشهد إلا بتجاور الأدوار، حتى الشخصية الواقفة في أقصى اليمين، التي لا تحمل آلة واضحة، تبدو ضرورية للتكوين، لأنها تمثل الحضور الإنساني الصامت داخل الموسيقى، وهذه الرؤية قريبة من جوهر الحياة الاجتماعية نفسها، فنحن نعيش ضمن جماعات، لكن كل إنسان يحمل داخله نغمة خاصة لا تتكرر.