أشاد الرئيس الصيني شي جين بينغ بالتقدم الذي أحرزته الصين في تطوير الذكاء الاصطناعي منخفض الكلفة، مؤكداً بصمته الشخصية في تعزيز النفوذ العالمي المتنامي لبلاده، داعياً إلى نظام تكنولوجي أكثر انفتاحاً.
واستغل شي ظهوره الأول في المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي يوم الجمعة لحث العالم على تبني نهج شامل، وتشجيع التعاون دون تنافس. وقال: «لا ينبغي أن يكون تطوير الذكاء الاصطناعي عملاً فردياً لدولة واحدة؛ بل سيمفونية من التعاون الدولي»، مضيفاً أنه يجب احتواء المخاطر الأمنية.
ويُعد حضوره في هذا التجمع، الذي ضمّ عشرات من قادة التكنولوجيا والحكومة، إشارة قوية إلى طموحات الصين في الهيمنة على المجال التكنولوجي الذي يمتلك القدرة على إحداث ثورة في الصناعة والاقتصادات - وهو جهد تصدّر أجندة البلاد. وتحظى النماذج الصينية بإقبال متزايد من الشركات في جميع أنحاء العالم، حيث تقترب حصتها من استخدام الذكاء الاصطناعي في الشركات الأمريكية من نسبة قياسية تبلغ 60% على منصة OpenRouter الشهيرة.
حافظ مؤشر ستار 50 الصيني، الذي يضم شركات التكنولوجيا الكبرى، على استقراره قبيل خطابه، لكنه انخفض بنسبة 6% بعد أن اتضح أنه لن يكشف عن استثمارات أو سياسات جديدة لتحفيز الصناعة المحلية. وبدلاً من ذلك، سعى شي جين بينغ إلى ترسيخ مكانة الصين كدولة رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي للجميع، داعياً إلى بذل الجهود لمساعدة دول الجنوب العالمي على توسيع قدراتها في هذا المجال، وإلى توخي الحذر في تقاسم فوائده.
وتجنب شي تقديم أي تمويل ملموس، متعهداً بتوفير 5000 دورة تدريبية فقط لسكان الدول الأقل نمواً. لكنه أشاد بتأسيس منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي، بقيادة الصين، واصفاً إياها بأنها «محطة هامة» بعد أن وقعت 29 دولة، من بينها روسيا والبرازيل، اتفاقية للانضمام إلى المنظمة في وقت متأخر من يوم الخميس، بعد عام من اقتراحها لأول مرة من قبل رئيس الوزراء لي تشيانغ.
مفهوم الأمن القومي
وقال شي أمام الحضور يوم الجمعة: «ينبغي أن نأخذ على محمل الجد مختلف أنواع المخاطر الكامنة والثانوية التي قد يُسببها الذكاء الاصطناعي»، داعياً إلى مزيد من اللوائح وأنظمة المراقبة والإنذار لضمان بقاء الذكاء الاصطناعي تحت السيطرة البشرية دائماً. كما حذر من «توسيع» مفهوم الأمن القومي لتقييد الوصول إلى هذه التكنولوجيا.
لكن مصادر مطلعة أفادت بأن مسؤولين صينيين أجروا مؤخراً مباحثات مع شركات، من بينها مجموعة علي بابا القابضة المحدودة - مطورة نماذج كوين الشهيرة - حول كيفية التخفيف من المخاطر الأمنية التي تشكلها هذه النماذج المتطورة باستمرار. وأضافت المصادر أن هذه المباحثات لا تزال في مراحلها الأولى، ولا توجد خطط لفرض أي قيود، إلا أن تقييد وصول الأجانب إلى النماذج المتقدمة كان من بين الخيارات المطروحة.
القوى العظمى
وقد برزت حوكمة الذكاء الاصطناعي عالمياً كساحة معركة جديدة بين القوى العظمى في العالم. ومع تزايد خطر الأمن السيبراني الذي يمثله الذكاء الاصطناعي المتطور، مارست واشنطن في الأسابيع الأخيرة ضغوطاً على مختبرات أمريكية بارزة، مثل مختبر أنثروبيك، للحد من وصول الأجانب إلى النماذج المتقدمة.
وتسعى الصين إلى بناء منظومة ذكاء اصطناعي خاصة بها توفر لمواطنيها وعملائها حول العالم بديلاً أرخص من التكنولوجيا الأمريكية. كما ترغب في تأمين سلسلة توريد خاصة بها للذكاء الاصطناعي تضمن وصول شركاتها ووكالاتها الحكومية إليها. في إطار هذه الجهود، خصصت بكين تريليوني يوان على مدى السنوات الخمس المقبلة لإنشاء شبكة من مراكز البيانات المترابطة في جميع أنحاء البلاد، وفقاً لما ذكرته وكالة بلومبيرغ الإخبارية الشهر الماضي.
مواجهة الولايات المتحدة
ومن المتوقع أن تحشد الصين مؤسساتها وتسنّ سياسات داعمة لتنشيط قطاع يُعتبر أساسياً لمواجهة الولايات المتحدة، مع العمل في الوقت نفسه على تقليل اعتماد السوق المحلية على التقنيات الأمريكية التي تقيّد واشنطن الوصول إليها. ويعتمد هذا الجهد على النمو والتطور المستدامين للشركات الوطنية الرائدة، بما في ذلك شركة هواوي تكنولوجيز المنافسة لشركة إنفيديا، وشركة سي إكس إم تي كورب الرائدة في مجال رقائق الذاكرة، ومختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة مثل ديب سيك.
وتمثل هذه الخطة الشاملة أكثر مساعي بكين طموحاً حتى الآن لوضع الأسس لتطوير الذكاء الاصطناعي الصيني في المستقبل. وفي يوم الجمعة، أصدرت وكالة التخطيط الصينية العليا خطة عمل للتعاون والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي، تحدد ثمانية مجالات للتعاون الوثيق بين الدول، بما في ذلك تبادل البيانات، وقوة الحوسبة، ونظام المصادر المفتوحة، ووضع المعايير.
مشروع ضئيل
لكن هذا المشروع يبدو ضئيلاً مقارنة بـ 725 مليار دولار خصصتها شركات أمريكية رائدة مثل ميتا بلاتفورمز ومايكروسوفت للذكاء الاصطناعي هذا العام وحده. وبشكل عام، تُعدّ مراكز البيانات الصينية أقل تكلفةً من نظيرتها الأمريكية نظرًا لانخفاض تكاليف العمالة والمكونات والإنشاء، إضافة إلى الحوافز الحكومية المحلية.
في مايو/أيار، استضاف شي جين بينغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وناقشا ضوابط الذكاء الاصطناعي ورقائق H200 من إنفيديا، التي بدأت بالوصول تدريجيًا إلى الصين بعد حظر حكومي. ومن المقرر أن يجتمع شي وترامب مجدداً في سبتمبر/أيلول، على أن يكون سباق الذكاء الاصطناعي على رأس جدول أعمالهما.