هذا الكتاب عن حركة ملايين الناس، عن ثروات راوحت بين المكسب والخسارة، عن القسوة والفرح، كل ذلك بسبب بلورات السكر، التي غيرت العالم، فالكتاب وعنوانه «كيف غير السكر العالم؟» لمؤلفيه «مارك آرونسون ومارينا بودوس» يثير سؤالين تاريخيين أولهما: ما علاقة السكر بالعبودية والنضال من أجل الحرية؟ وكيف تورط في ولادة الثورة الصناعية في إنجلترا؟
يكشف الكتاب عن عذابات العبيد وأرباح السادة، والسعي إلى إلغاء العبودية، كانوا يعتقدون أن ذلك بمنزلة خدمة لصالح فئة جديدة من الأثرياء، هنا يتعرف القارئ إلى النطاق الحقيقي لعبودية السكر، واتساع عصر الثورات السياسية والصناعية، وما أفرزته من قسوة واستلاب وظلم.
الكتاب الذي ترجمته إلى العربية «فاطمة نعيمي» من أكثر الأعمال التاريخية تأثيراً في ربط سلعة واحدة بالتحولات الكبرى في التاريخ، أو كما وصفته إحدى المجلات إنه «قصة ملحمية على لوحة واسعة، لا تفقد أبداً لحظات الدراما الإنسانية الفردية».
اكتشف المؤلفان، وهما زوجان، أن كلاً منهما لديه تاريخ عائلي مرتبط بالسكر، آرونسون من أصل يهودي روسي، كان أحد أقاربه مرتبطاً بتاريخ سكر البنجر، بينما بودوس من أصل هندي - غوياني، عمل أجدادها في مزارع قصب السكر في غويانا البريطانية في القرن التاسع عشر، هذا الاكتشاف الشخصي دفعهما إلى رحلة استكشافية حول العالم لتتبع تاريخ هذه المادة.
السكر ليس مجرد سلعة استهلاكية، بل كان المحرك الرئيسي للتاريخ العالمي على مدى قرون، حيث قاد إلى تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، وأسهم في الثورات التي حررت العبيد، وأحدث تحولات اقتصادية واجتماعية هائلة «إنها قصة حركة ملايين البشر، وثروات جمعت وخسرت، ووحشية وبهجة، كل ذلك بسبب بلورات صغيرة».
تسبب السكر في «أفظع حالات البؤس والدمار، لكن أيضاً في أكثر أفكار الحرية إلهاماً» فمن ناحية، كان المحرك الرئيسي لتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، حيث قُدر أن أكثر من ثلاثة ملايين إفريقي نُقلوا إلى البرازيل وحدها للعمل في مزارع السكر.
يقدم الكتاب نظرة على العالم قبل انتشار السكر، ويستعرض كيف كان العسل يُستخدم في الطقوس الدينية في الهند، وكيف ظل السكر مجرد «سلعة غريبة» بالنسبة لمعظم سكان العالم القديم، ويستعرض الأصول الأولى للسكر في غينيا الجديدة، حيث كان النبات ينمو برياً، ثم ينتقل إلى الهند، حيث بدأ استخدامه في الطقوس الدينية الهندوسية قبل أكثر من 2000 عام.
كان السكر مرتبطاً بالسحر والطقوس الدينية، وتحت عنوان «أول جامعة حقيقية في العالم» يتناول المؤلفان دور الحضارة الإسلامية في نشر زراعة السكر، وتطوير تقنيات تكريره، فالمسلمون هم من ابتكروا أول «مزرعة سكر» حقيقية، واستخدموا مساحات شاسعة وعمالة كثيفة لإنتاجه بكميات تجارية، كما كان للعلماء المسلمين دور في تحسين طرق التكرير.
يستعرض أحد الفصول حملات الصليبيين، وتأثيرها في نقل المعرفة بالسكر إلى أوروبا، حيث اكتشف الأوروبيون السكر عبر الصليبيين والتجار الإيطاليين، ويتناول الكتاب دخول السكر إلى أوروبا عبر المدن الإيطالية، وتحوله من «توابل» نادرة إلى سلعة مرغوبة مع بداية العصور الوسطى المتأخرة، ويوضح كيفية انتشار تجارة السكر في أوروبا عبر الأسواق التجارية الكبرى، ودوره في تحويل الاقتصاد الأوروبي.
الكاريبي والبرازيل
في الجزء الثاني من الكتاب وعنوانه «الجحيم» يصف المؤلفان حياة العبيد في مزارع السكر في الكاريبي والبرازيل، ويقدر أن أكثر من مليوني إفريقي نُقلوا إلى جزر السكر، ولكن عند التحرير (1865) لم يبق منهم سوى 670 ألفاً بسبب ظروف العمل القاسية، التي كانت تؤدي إلى الموت المبكر.
يشرح كيف شكل السكر حلقة أساسية في التجارة بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين: تُرسل السلع المصنعة إلى إفريقيا، ويشترى بها العبيد، ويُنقلون إلى الأمريكيتين، ويُعاد السكر والتبغ والقطن إلى أوروبا، فالكتاب يروي قصصاً من حياة العبيد اليومية، وطرق مقاومتهم البسيطة (كالموسيقى والطقوس) التي حافظت على إنسانيتهم، ويصف دور المشرفين البيض الذين يديرون المزارع، وعلاقتهم بالعبيد، والقسوة المنظمة التي كانت جزءاً من نظام إنتاج السكر.
يشرح الكتاب أيضاً كيف أصبح السكر، بحلول القرن الثامن عشر، سلعة أساسية يستهلكها حتى الفقراء، ما زاد الطلب عليه، وضاعف من وحشية استغلال العبيد، يقول المؤلفان: «إن السكر وفر الطاقة التي احتاج إليها العمال الإنجليز في المناجم والمصانع خلال الثورة الصناعية، لكنه كان أيضاً مصدر الثروة لبناء وتشغيل المصانع الإنجليزية، فقد بنيت وأديرت ودفعت تكاليفها بواسطة السكر».
يستعرض الكتاب كيف أثرت أفكار الثورة الأمريكية في العبيد، وكيف استخدم الإيطاليون هذه الأفكار لمحاربة العبودية، ويناقش الجدل الأخلاقي والديني حول شرعية العبودية، ويروي قصة تمرد العبيد في هايتي (1791-1804) بقيادة توسان لوفرتير، الذي قاد انتفاضة ناجحة ضد الفرنسيين، وأسس أول دولة سوداء حرة في العالم.
عبور المياه السوداء
يروي فصل بعنوان «عبور المياه السوداء» قصة رحلة العمال الهنود من الهند إلى غويانا وترينيداد وجزر أخرى، وهي الرحلة التي أطلق عليها (المياه السوداء) في الثقافة الهندية، حيث كان الاعتقاد بأن عبور المحيط يؤدي إلى فقدان المكانة الطبقية، ويناقش الوضع القانوني والاجتماعي للعمال المستأجرين، الذين كانوا في منطقة رمادية بين العبودية والحرية.