انتشرت في الآونة الأخيرة، خاصة مع موضة التجريب، أنواع من الكتابات السردية العربية في مجالات القصة والرواية تجنح نحو الغموض؛ بطريقة لا يفهم معها القارئ ما يريد الكاتب قوله، ولا يخرج من العمل بشيء. ولئن ذهب بعض النقاد إلى أن السرد في زمن الحداثة يتطلب بعضاً من الغموض تعبيراً عن روح عصر غامض، فهل يعني ذلك التضحية بالحبكة والمعنى من أجل نصٍّ لا يسكنه إلا الغموض والأحداث القاتمة؟ وهل ما تحمله الكتابات الجديدة هو غموض فني أم عبثي يعبر عن مجرد محاكاة للحداثة؟
القاص والروائي إبراهيم مبارك يرى أن هذه الكتابات الجديدة الغامضة في السرد عبارة عن تهويمات محلقة في السماء ولا أساس لها في الأرض أو الواقع، ولا يمكن التعامل معها بجدية؛ فهي لا تنتمي إلى الكتابة الروائية أو القصصية الحقيقية بقدر ما هي نوع من النصوص الحرة التي تريد أن تمزج بين الخواطر والحكاية. وقد انتشرت الآن بشكل كبير، ويحمل أصحابها الكثير من الادعاءات، وهذا النوع السردي ليس نتاج التجريب الحقيقي، بل محاولة لادّعاء العمق والمعرفة.
ويلفت مبارك إلى أهمية التفريق بين الغموض كأداة فنية واعية في السرد المعاصر، وبين كونه مجرد تقليد أو موضة تهدف إلى محاكاة كتاب عالميين كبار من دون وعي بالملابسات والظروف التي جعلتهم يتجهون نحو هذا المنحى؛ إذ إن الإبهام بمعناه الإيجابي يعمل على إشراك القارئ في إنتاج المعنى وتأويل النص، فهو يعبر عن تشظي الذات البشرية وتداخلات العلاقات في العصر الحديث، وهو كذلك ينفتح على التأويل ويترك مساحات بيضاء ونهايات مفتوحة من أجل تعدد القراءات، أما الغموض الموظف في الكتابات العربية الحديثة فهو غموض عبثي مقحم.
* نقص الخبرة
عن الأسباب التي تدفع بعض الكتاب إلى تبني الغموض في أعمالهم، أوضح مبارك أن هناك أجيالاً جديدة اقتحمت مجال الكتابة دون معرفة أو دراية أو خبرة لازمة، وفي الوقت ذاته لا تريد أن تصبر من أجل صقل الموهبة أو التدريب حتى تتمكن من الأدوات اللازمة للكتابة؛ لذلك يلجأ هذا النوع من المؤلفين إلى الغموض من أجل إخفاء الضعف الواضح في الحبكة، والركاكة في الأسلوب، وغياب الفكرة، واللعب بالألفاظ بشكل غير موظف وبطريقة مقحمة على النص ودون مبرر درامي، وذلك من أجل أن يظن القارئ العمق في هذا الكاتب.
وحول منابع ذلك التوجه في السرد الجديد لدى بعض الكتاب العرب، ذكر مبارك أن اللجوء إلى توظيف الغموض ليس بالشيء الجديد؛ فهو معمول به منذ القدم، وحتى في الشعر العربي القديم نجد مساحات واسعة يحتلها الإلغاز والإبهام. فالكتابة المباشرة ليست مفضلة، بل يعمد الكاتب أو الشاعر إلى خلق مساحات من العتمة في النص من أجل تمرير فكرة معينة، خاصة إذا كانت الظروف الفكرية والاجتماعية والثقافية غير مواتية ولا تسمح للمؤلف بأن يلقي برسالته بشكل مباشر، فيقوم باستخدام الغموض في هذه الحالة.
ويتعمق مبارك في إيضاح هذه الفكرة؛ مشيراً إلى أن الغموض الذي أنتجه التجريب في الغرب في الكتابات الحديثة لم يكن عبثياً، بل هو نتاج البحث عن أفق جديد في الكتابة يحترم عقل القارئ؛ بحيث يصبح هو نفسه جزءاً من السرد. وفي هذه الحالة، فإن المؤلف لا يترك المتلقي في غابة مشتبكة من العتمة بحيث لا يخرج بشيء، بل يلقي بالعلامات والرموز والإشارات العابرة والدلالات العميقة من أجل أن يساعد القارئ على عملية التأويل في ما يعرف بـ«الفراغات النصية»؛ لذلك حتى النهايات في السرد الحديث صارت غير مكتملة وتعتمد على قراءة المتلقي.
ويتعمق مبارك في إيضاح هذه الفكرة؛ مشيراً إلى أن الغموض الذي أنتجه التجريب في الغرب في الكتابات الحديثة لم يكن عبثياً، بل هو نتاج البحث عن أفق جديد في الكتابة يحترم عقل القارئ؛ بحيث يصبح هو نفسه جزءاً من السرد. وفي هذه الحالة، فإن المؤلف لا يترك المتلقي في غابة مشتبكة من العتمة بحيث لا يخرج بشيء، بل يلقي بالعلامات والرموز والإشارات العابرة والدلالات العميقة من أجل أن يساعد القارئ على عملية التأويل في ما يعرف بـ«الفراغات النصية»؛ لذلك حتى النهايات في السرد الحديث صارت غير مكتملة وتعتمد على قراءة المتلقي.
ويؤكد مبارك أن الغموض السائد الآن في ما يسمى مجازاً بالسرد العربي الجديد أو الحديث لا يعتمد على الآليات ذاتها التي وصل إليها التجريب، بل هو مجرد محاكاة تغيّب أشياء مهمة في النص السردي، القصصي أو الروائي، مثل: المعنى، والرسالة، والحبكة، وغيرها من تقنيات السرد وأدواته؛ فالكاتب من هؤلاء لا يلجأ للغموض من أجل تمرير موقف سياسي أو فكري، بل لمجرد الإبهام.
*غياب المعنى
يتحدث مبارك عن تجربته في قراءة هذا النوع من الكتابات العربية الغامضة، مشيراً إلى أنه وأبناء جيله من الكتاب يحاولون أن يصبروا على هذا النوع من السرد من أجل فهمه، لكنهم لا يخرجون منه بشيء؛ لأنه في الأساس لا يحمل أي مضمون، بل إنه مجرد كتابات مفككة تعبر عن فراغ وخواء عريض. فهذا النوع من الكتاب لا يعرف حتى معنى القصة أو الرواية؛ فالغموض الفني أمر جيد، ولكن ليس بمثل هذه الطريقة السائدة الآن.