في كتابهما «العالم للبيع: المال والسلطة وتجار يقايضون موارد الأرض» يكشف الصحفيان البارزان جاك فارشي وخافيير بلاس إحدى أكثر المسائل الاقتصادية أهمية، وأقلها تداولاً: أعمال التجار، الذين يشترون موارد الأرض، ويخزنونها، ويبيعونها.
إنها قصة حفنة من رجال الأعمال، الذين أصبحوا تروساً لا غنى عنها في الأسواق العالمية، ما أتاح توسعاً هائلاً في التجارة الدولية، وربط البلدان الغنية بالموارد، بغض النظر عن الحروب التي تمزقها، بالمراكز المالية في العالم.
يرى الصحفيان أن هناك عدة اتجاهات أسهمت في نمو شركات السلع الأساسية، منذ السبعينات حتى الآن، ويتضمن ذلك عمليات تأميم شركات النفط في الشرق الأوسط خلال السبعينات، وتفكك الاتحاد السوفييتي في التسعينات، وغير ذلك من عوامل أسهمت في تدمير سلاسل توريد متكاملة، كان يتم من خلالها نقل السلع في الأسواق الدولية، ونتيجة لذلك ظهر جيل جديد من الوسطاء، ليحل محل سلاسل التوريد القديمة، ويسد الفراغ الذي حدث بين المشترين وبائعي الموارد الطبيعية في العالم.
أدوات ضرورية
المثير في هذا الكتاب: كيف صار هؤلاء التجار، «آخر مغامري الرأسمالية العالمية» على حد وصف الكاتبين، الذين يعملون في الظل، أدوات ضرورية أو حتمية في الاقتصاد الحديث، إذ من دونهم، مثلاً، سينفد الوقود من المحطات، وسينفد الطحين من المخابز، وتتوقف أغلب المصانع العالمية، رغم أنهم لا ينشطون في مجال إنتاج أو استهلاك السلع، بل الاتجار بها فقط.
في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين حدث تغييران كبيران، هما النمو الهائل للصين، وزيادة تدفقات رأس المال العابر للحدود، وقد أسهمت هذه العوامل، إضافة إلى وجود طلب كبير على السلع، في زيادة أرباح شركات مثل «كارجيل» و«فيتول» و«جلينكور»، فقد حققت هذه الشركات الثلاث أرباحاً أكثر من 76 مليار دولار على مدار العقد الأول من القرن الحادي والعشرين حتى عام 2011، بما يمثل عشرة أضعاف الأرباح التي حققتها الشركات نفسها في التسعينات.
خلفيات
يدخلنا كتاب «العالم للبيع» إلى الساحة الخلفية، التي يدار من خلالها اقتصاد العالم، منذ عقود، حتى الآن، ويوضح كيف يتم التحكم في مصائر ومقدرات وممتلكات وأقوات قارات ودول وشعوب بأكملها، بدون أدنى مبالغة.
تمكن المؤلفان من جمع ما تيسر من مواد ومعلومات وأرقام وخبايا هذه الشركات، والقائمين عليها، عبر أبحاث ميدانية وتحقيقات صحفية مكثفة، ومقابلات مع عشرات التجار، والاطلاع على وثائق داخلية، وتقارير مالية، وعقود وصفقات، لم تكن معروفة أو متاحة من قبل، وذلك رغم استحالة الأمور، واعترافهما بالعجز عن القيام بالعمل على أكمل وجه، وإمكانية كشفهما للحقيقة كاملة، فالأمر على حد قولهما، تعجز عنه حتى أعتى أجهزة المخابرات.
ما سر هذه الشركات؟ لماذا لم نسمع عنها؟ وكيف تتحكم في مقدرات كوكبنا على هذا النحو؟ تلك أسئلة تحاول فصول الكتاب الإجابة عنها، الأكثر إثارة للانتباه أن تجارة هذه الشركات مشروعة تماماً، ولا غنى عنها للحياة على ظهر كوكبنا، إذ إن هذه الشركات هي المتحكمة في عالم تجارة السلع الأساسية، أي الحبوب، والنفط، مروراً بالمعادن، وغيرها من السلع المحورية في حياة البشر.
نفوذ
يكشف الكتاب أيضاً عن أن هؤلاء التجار الوسطاء، بعضهم مستقل والآخر على رأس شركات ضخمة، يمكن أن يمارسوا نفوذاً كبيراً على السياسات والصراعات والعلاقات الدولية، بصفة عامة، وليس على أسعار السلع وتوجهات الاقتصادات والأسواق فحسب.
كما يناقش الكتاب كيف أن بعض الصفحات المعتمة، ضمن هذا العالم الخفي، تنطوي على حيل ذكية للتهرب من العقوبات، وإخفاء المعاملات المالية، والتلاعب بالوسائل القانونية وغير القانونية للحفاظ على المصالح، وذلك عبر رصد لتاريخ تطور تجارة السلع العالمية خاصة، بعد الحرب العالمية الثانية، مروراً بصعود الصين، وتحول الأسواق بتأثير انهيار الاتحاد السوفييتي، وصولاً إلى المتغيرات الحديثة، مثل القضايا البيئية، وتغير المناخ، وزيادة المراقبة الإعلامية والتنظيمية.
«العالم للبيع» ليس تحليلاً نظرياً، بل يمزج بين الحكايات الشخصية لمتداولين، ووصف صفقات وتفاصيل سياسية، على نحو واقعي مشوق، رغم أن كثرة المعلومات والتقلب بين الأسماء والدول قد يُربك أحياناً، كما أن الكتاب ليس مجرد سرد لقضايا اقتصادية وتجارية وسياسية فقط، بل تحليل لأسباب وآثار، وتوضيح كيف أن التجارة ليست محايدة، ومرتبطة بالأخلاق، والبيئة، واستنزاف موارد الكوكب، وحقوق الإنسان.
من ناحية أخرى، يستعرض الكتاب سر قوة هؤلاء التجار، وقد تميزوا منذ ثمانينات القرن الماضي، بالحضور والاستثمار حتى المغامرة في أماكن لا تجرؤ الدول أو الحكومات أو الشركات الأخرى أو البنوك على دخولها أو التعامل معها، إما لمحاذير قانونية أو رقابية أو مخاوف جيوسياسية أو مخاطر اقتصادية أو مجازفات مالية أو احتمالات تحقيق خسائر قريبة منظورة، مقارنة بمكاسب طائلة متوقعة غير مضمونة بعيدة المدى.
كما يستعرض الكتاب دور هذه الشركات في تصريف البضائع الأوكرانية حالياً، والأدهى، كيف حافظت بعض الشركات الغربية على تعاملاتها مع روسيا، رغم العقوبات، من هنا، لا نندهش من مناشدات الرئيس الحالي دونالد ترامب لدول في الاتحاد الأوروبي تحديداً، ولأكثر من مرة، بضرورة الالتزام بمعاقبة روسيا، وبالعقوبات المفروضة عليها.
من بين الأسئلة الذكية جداً في الكتاب: لماذا لم تنظم تجارة السلع مثلها مثل البنوك أو غيرها من الأنشطة؟ وكيف أصبحت هذه الشركات دولاً داخل الدول؟ ووفقاً لأي قوانين يسمح لها بالتهرب الضريبي، أو دفع ضرائب ضئيلة للغاية على أرباحها المليارية؟