الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الدكتور عادل السجواني: المعرفة بمخاطر التدخين وحدها لا تكفي لتغيير السلوك

23 يوليو 2026 11:53 صباحًا | آخر تحديث: 23 يوليو 12:08 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
الدكتور عادل سجواني هو استشاري طب الأسرة
الدكتور عادل سجواني هو استشاري طب الأسرة
في الطب، قليل من المخاطر تحظى بهذا القدر من الإثبات العلمي الذي يحظى به التدخين، ومع ذلك يظل عدد كبير من المدخنين يحملون هذه المعرفة في أذهانهم بينما تبقى أيديهم ممتدة إلى السيجارة. هذه المفارقة كانت محور حديث الدكتور عادل السجواني خلال النسخة الثانية من مؤتمر التحديثات العالمية في الطب الذي تنظمه الكلية الملكية للأطباء في دبي.
على هامش المؤتمر، التقيناه عقب تقديمه محاضرة بعنوان "الوقاية من التدخين في تعزيز الصحة"، ليشرح لنا لماذا لا تكفي المعرفة وحدها لدفع الناس إلى الإقلاع، وكيف يفكر الأطباء اليوم في الإدمان والانتكاس والحوار مع المريض. والدكتور السجواني هو نائب المدير الطبي واستشاري طب الأسرة في مستشفى ميديكلينك باركفيو في دبي، ويتحدث من واقع خبرة سريرية يومية مع مرضى يعرفون الضرر تماماً، لكنهم يجدون صعوبة بالغة في ترجمة هذه المعرفة إلى فعل.
وفي ما يلي نص الحوار.
يُعد التدخين أحد أكثر المخاطر الصحية المثبتة علمياً في الطب، ومع ذلك فإن الوعي وحده نادراً ما يؤدِّي إلى الإقلاع عنه. من واقع خبرتك الطبية، لماذا يفشل الوعي بالمخاطر الصحية في كثير من الأحيان في إحداث تغيير سلوكي مستدام فيما يتعلَّق بالتدخين؟
في طبيعة النفس البشرية هناك دائماً فجوة بين المعرفة والسلوك، وخاصة في الأمور التي تتحول إلى تعوّد أو إلى إدمان. التدخين ليس مجرد عادة بل اعتماد وإدمان عصبي وكيميائي، حيث إن النيكوتين يحفّز مسارات الدوبامين فيصبح مرتبطاً بالراحة الفورية والتعوّد. الدماغ يرجّح المكافأة الآنية على التهديد المستقبلي. يُضاف إلى ذلك أدوار التوتر والطقوس اليومية وظروف المجتمع التي تغيّرت نحو ساعات العمل الطويلة والمشاكل الأسرية والسياق الاجتماعي. لذلك المعلومة وحدها نادراً ما تكفي، والسلوك تغييره يحتاج إلى أمور أكبر من مجرد المعرفة فقط.
نعلم أن معدلات الانتكاس في التدخين مرتفعة، حتى مع وجود علاجات معتمدة للإقلاع عنه. لماذا برأيك لا يزال يُنظر إلى الانتكاس غالباً على أنَّه فشل في الإقلاع عن التدخين، بدلاً من اعتباره جزءاً من مسار الإدمان، كما هو الحال في حالات مرضية أخرى؟
الانتكاس جزء من المسار وليس فشلاً في الطب الحديث، لأن اضطراب تعاطي التبغ يُصنّف كحالة مزمنة قابلة للانتكاس، شأنه شأن السكري أو ارتفاع الضغط، حيث تُعدّ النكسات جزءاً متوقعاً من العلاج لا دليلاً على فشله. وصمة "الفشل" مشكلة لأنها تُثبّط المريض عن المحاولة مجدداً، بينما الأدلة تُظهر أن الإقلاع غالباً يتطلب عدة محاولات. ولكن طبيعة البشر تختلف، فمنهم من يتمكن من الإقلاع من المحاولات الأولى، ومنهم من يحتاج إلى محاولات متعددة، ولكن الأهم هو الوصول إلى طريقة لتخفيف الأضرار عن الشخص إذا لم نستطع منعها بشكل كامل.
خلال عرضك في مؤتمر الكلية الملكية للأطباء في دبي هذا الشهر، أشرت إلى أن النيكوتين هو العامل الرئيسي وراء الإدمان على التدخين، في حين أن احتراق التبغ هو المسؤول عن جانب كبير من الأضرار والأمراض المرتبطة به. من الناحية الطبية، إلى أي مدى يُعد النيكوتين ضاراً بحدّ ذاته، وما هي التداعيات المترتبة على الخلط بين أضرار النيكوتين وأضرار التدخين؟
الرأي السائد علمياً أن أمراض التدخين القاتلة (السرطان، الانسداد الرئوي، أمراض القلب) ناتجة عن منتجات احتراق التبغ، من القطران وأول أكسيد الكربون وآلاف المركبات، وليست عن النيكوتين بحد ذاته كمسبّب رئيسي للسرطان، بينما يُعتبر النيكوتين مادة تسبب الإدمان أكثر من كونها تسبب السرطان وأمراض القلب، حيث إن هذه الأمراض مرتبطة بعملية حرق التبغ بشكل رئيسي.
كثيراً ما نسمع أنه حتى التدخلات الوجيزة يمكن أن تُحدث فرقاً، ومع ذلك فإن العديد من الاستشارات لا تؤدي إلى تغيير مستدام. ما الذي يميّز الحوار الذي يُحدث تحولاً حقيقياً في السلوك عن ذلك الذي يقتصر على تقديم المعلومات فقط؟
الفرق ليس في كمية المعلومات بل في الأسلوب. الحوار التحفيزي المرتكز على المريض، الذي يستكشف دوافع التدخين لدى الشخص وأسباب تردده في الإقلاع وكيفية تعزيز ثقته بقدرته على التغيير، هذه الأمور أكثر فاعلية من إلقاء المعلومات العامة. لا بد من ربط القرار بقيم المريض الشخصية، والمتابعة، ودعم تكرار المحاولة، وكلها عناصر تُحوّل الحوار من محاضرة مملة إلى طريقة للتغيير.
لا تزال هناك نقاشات مستمرة حول الخيارات البديلة للمرضى الذين يواجهون صعوبة في الإقلاع عن التدخين. ما هي أبرز المخاوف المشروعة التي يطرحها الأطباء في هذا المجال، وأين ترى أن الأدلة العلمية لا تزال في طور التطور؟
المخاوف المشروعة التي يطرحها الأطباء هي الخوف من انتشار منتجات التدخين الخالية من التبغ البديلة بين الشباب غير المدخنين، وكذلك الاستخدام المزدوج بدلاً من الإقلاع الكامل، والجدل حول كونها بوابة للتدخين، حيث إن الأدلة لا تزال متطورة ومستمرة. لا بد من دراسة حجم تقليل الضرر الفعلي على المدى الطويل، ومدى فاعلية هذه المنتجات كأداة إقلاع مقارنة بالعلاجات المعتمدة، وأثرها على الصحة العامة على مستوى السكان لا الأفراد فقط. فهناك جهات مثل بعض الهيئات البريطانية الصحية تميل لاعتبارها أقل ضرراً وأداة محتملة للإقلاع عن منتجات التبغ أو التقليل والحد من أضراره، بينما منظمة الصحة العالمية وجهات أخرى أكثر تحفّظاً.
يخلص حديث الدكتور السجواني إلى أن مواجهة التدخين تتجاوز مجرد تكرار قائمة المخاطر على المريض. فالمعرفة نقطة بداية لا نهاية، والإقلاع رحلة قد تتخللها نكسات لا ينبغي قراءتها على أنها فشل، والحوار الذي يربط القرار بقيم المريض ويدعمه على تكرار المحاولة هو ما يصنع الفارق. وبين الوقاية الكاملة وتخفيف الضرر حين يتعذّر المنع، يبقى الهدف الطبي واحداً: حماية صحة الإنسان، وإبقاء باب المحاولة مفتوحاً مهما تعددت المرات.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة