الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
جماليات إماراتية

فداء المرشد تعطر اللوحة بأريج التراث

28 يوليو 2026 15:06 مساء | آخر تحديث: 28 يوليو 15:31 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
اللوحة
اللوحة
icon الخلاصة icon
فداء المرشد تمزج التراث بالمعاصرة في لوحات صحراوية؛ شجرة صامدة وسط الرمال والعواصف ترمز للمقاومة والأمل والعزلة وقضايا المرأة
تعدُّ الفنانة فداء مرشد من أبرز التشكيليات الإماراتيات اللواتي تناولن موضوع البيئة المحلية عبر لوحاتهنّ، وكذلك استعادة صور الأجداد من خلال «البورتريهات» (الصور الشخصية) التي اشتهرت بها؛ إذ تعمل الفنانة على استحضار التراث والبيئة ودمجهما بأساليب الفن المعاصر، مما يمنح العمل لمحة حداثية. لاسيما أن أسلوب فداء يعتمد على المزج بين تيارات فنية مختلفة، كالتجريدية والتعبيرية والرمزية.
فداء المرشد
فداء المرشد

من أبرز الأعمال التي برعت الفنانة في إنجازها، تلك التي تصور مشهداً طبيعياً في فضاء صحراوي، تهيمن عليه صورة الرمال في تموجاتها وتعرجاتها وكثبانها، كأنها موجٌ هادرٌ يعلو وينخفض. بينما تظهر في اللوحة شجرةٌ تنبثق من بين تلك الرمال، تقف وحيدةً شامخةً لتتحدى الزمن، وتكسر إيقاع التصحر، وتبدد وحشة المكان. وتبرز في الأعلى السحب بألوان مختلفة ما بين الأبيض والرمادي الداكن إيذاناً بعاصفة تلوح في الأفق، تقاومها الشجرة بثبات. وفي المدى، تبدو أشعة الشمس منسابة على جسد الرمال دون حضورٍ مباشرٍ لها، لكن أثرها واضحٌ في أرجاء المكان.

*تباين


في هذه اللوحة، التي تجسد البيئة الصحراوية برؤية إبداعية وتشكيلية مميزة، تحرص الفنانة على إبراز التباين البصري القوي بين حرارة وتوهج رمال الصحراء الذهبية والحمراء والداكنة، والبرودة اللونية المتمثلة في درجات الغيوم والسماء العاصفة؛ الأمر الذي يكسب اللوحة مزيداً من العمق التعبيري والدرامي الذي يجذب الناظر بقوة، لاسيما من يعيش في الصحراء أو ينتمي إلى بيئتها.
وعلى الرغم من تلك الهيمنة الغالبة لمشهد الرمال، فإن عين المشاهد تتوجه مباشرةً نحو تلك الشجرة الشامخة، التي تبدو وكأنها تحكي قصة الإنسان في تلك البيئة الصحراوية وصموده عبر الأزمنة للبقاء رغم وحشة المكان. فالشجرة تمثل في بُعدها النفسي والفلسفي القدرة على المقاومة والبقاء في بيئة قاسية؛ إذ إن شجرة السدرة تبقى في حالة من التشبث بجذورها، رغم أن كل شيء ضدها؛ من عواصف في سماء غاضبة تنذر بالكثير، ورمال زاحفة تعمل على خنق الشجرة ووأدها إلى الأبد، مما يجعل من المشهد حالةً رمزيةً تشير إلى صلابة الإنسان وقوته في مواجهة الشدائد وصعوبة الحياة.
تشير اللوحة في بُعدها الرمزي إلى حالة من العزلة والاغتراب؛ بوجود هذه الشجرة الوحيدة التي تعكس فكرة سير الإنسان منفرداً في هذا العصر الموحش، المتشظي، والعاصف. وهي ترمز أيضاً إلى الفراغ الذي يلف الإنسان ويتربص به في لحظات معينة من حياته، إذ يقف وحيداً في مواجهة مصيره عند المنعطفات الكبرى. ومن جانب آخر، تُحيل اللوحة إلى موضوع الأمل والحياة وسط واقع متلاشٍ؛ إذ إن الغيوم الداكنة توحي بالموت أو قرب النهاية، في ما تمثل الشجرة، على الرغم من ضمورها وذبولها الظاهريين، إيقاع الحياة ونبضها المستمر؛ فهي البؤرة والنقطة المركزية في العمل، تقف لتثبت أن الحياة مستمرة رغم كل شيء.
وكذلك فإنّ الرمزية العالية في اللوحة تجعلها صالحةً للاندراج ضمن موضوع الجندر وقضايا المرأة؛ فالشجرة قد تشير إلى النساء في مواجهة الظروف الاجتماعية القاسية وتوقهنّ إلى أن يصبحن فاعلات في المجتمع. ولعل ثراء العمل جعله محتشداً بالدلالات، مما يمنح المشاهد قدرةً على التأويل والتفسير لعوالم اللوحة المختلفة.
نجحت الفنانة في توظيف الرمز في مشهدية اللوحة، لاسيما الشجرة ودلالاتها، وصنعت صورةً بصريةً مؤثرةً، وتعاملت ببراعة مع البيئة من حيث التعبير عنها بشكل معاصر وحداثي؛ إذ جعلت من تلك الصورة التي تكثر في الطبيعة موضوعاً سرّبت من خلاله الكثير من الرؤى الفكرية التي رفعت القيمة الجمالية للوحة وعززتها.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة