تعد الفنانة حنان الزين من أهم التشكيليات في المشهد الإماراتي المعاصر، وتميزت بأعمالها التي تحتفي بالتراث والهوية المحلية، وإبراز حياة الماضي في شكل حكايات تتجول في فضاء اللوحة. كما أنها تعمل على توثيق الذكريات، خاصة المتعلقة بالطفولة وقصص الماضي، لذلك تكتسب أعمالها حيوية وواقعية كبيرة، وتربط بين المشاهد وتاريخه وموروثه.
ويشبه الكثيرون حنان بالغواص الذي ينزل إلى أعماق قاع التاريخ الإماراتي والخليجي، بحثاً عن اللؤلؤ والجواهر الثمينة، إذ تمارس فعل التقاط العادات والقصص المنسية لتجعل منها محور أعمالها. وتتضمن هذه العملية الأدوات التي كانت سائدة في الماضي، من آنية ومصابيح وغير ذلك من مفردات تراثية، لتجعلها حاضرة اليوم وتُعلي من قيمتها الرمزية.
حنان الزين
ومن تلك اللوحات اللافتة لحنان، لوحة شاركت بها في معرض أقيم عام 2014 في ندوة الثقافة والعلوم بعنوان: «على ضوء الفنر 2». وتصور الفنانة في اللوحة مفردات من التراث، مثل «الفنر» وهو المصباح القديم، و«المندوس» وهو صندوق تقليدي مرصع بالنقوش والزخارف المعدنية النحاسية كان يُستخدم قديماً لحفظ الحاجيات الثمينة والمجوهرات والمهر، وكذلك «الدلة والفنجان»، إضافة إلى «السدو» وهو نسيج تراثي يظهر في شكل سجادة أو خلفية حمراء مزخرفة بنقوش هندسية تقليدية تعكس الحرف اليدوية البدوية الأصيلة.
*تفاصيل
تضم اللوحة عدداً من التفاصيل التراثية التي تعبر عن سجل بصري تراثي متكامل، يحفل بالدلالات والمعاني التي تشير إلى القيم العربية الأصيلة. ف«المندوس» يرمز إلى حفظ الأسرار والذكريات والخصوصية العائلية في الماضي، وهو يُصنع من الخشب المتين ويُزين بالنحاس، ليكون كالكنز الذي يحمل أريج الماضي. أما «الفنر» فهو يشير إلى النور والدفء العائلي والشعور بالأمن، فقد كان الوسيلة المستخدمة قديماً للإنارة والجمع بين أفراد الأسرة في مجالس الأنس، كما يعبر كذلك عن الحنين إلى الطفولة وحياة الماضي.
بينما يبرز «السدو»، رمزاً لأصالة الحياة البدوية والصبر والترابط، فحياكته تعكس القدرة على التكيف مع الصحراء القاسية، ونقوشه المتداخلة تعبر عن تماسك المجتمع ووحدة أفراده. وفي المقابل، يرمز كل من الدلة والفنجان إلى الكرم والضيافة العربية الأصيلة، ويحملان صورة مشهدية معتادة في المجتمعات العربية الخليجية وهي الترحيب بالضيف، وما يسود في المجلس من تقدير واحترام متبادل بين صاحب البيت والزائر. لقد حولت اللوحة تلك الرموز إلى مشهد بصري عامر بالمعاني والأبعاد الجميلة.
*الضوء والظلال
برعت الفنانة حنان الزين في هذه اللوحة في محاكاة الواقع بدقة ومهارة عالية، يشعر معها الناظر بالواقعية والعمق، وذلك لأنها استخدمت بصورة ذكية تقنيات الضوء والظل، وكذلك في توزيع الألوان. فالأسطح المعدنية لكل من الدلة والفنر تم صنعها من النحاس والحديد المصقول، غير أن الفنانة أضافت إليها رونقاً وبعداً جمالياً خلاباً عندما لوّنتها باللونين الأصفر والفضي، ووظفت ضربات فرشاة بيضاء ناصعة في بعض الأماكن بدقة شديدة، مشكّلة نقاطاً لامعة تمنح عين الناظر انطباعاً فورياً بأن المشهد حقيقي، فالأسطح مصقولة وتعكس الضوء الساقط عليها من مصدر خارجي تماماً مثلما يحدث في المشاهد الواقعية.
ويُلاحظ كذلك التدرج اللوني البديع على جسد الدلة والفنر من الأصفر الفاتح إلى البني الداكن والأسود في المناطق المحجوبة عن الضوء، فهذا التباين يمنح الأجسام شكلاً أسطوانياً ومجسماً ثلاثي الأبعاد. وبدلاً من أن تظهر الأشكال مسطحة على قماش الرسم، فهي تبرز إلى الأمام وتكتسب وزناً وحجماً ملموساً.
لقد برعت الفنانة بشكل كبير في لعبة الظل والضوء، ما نتج عنه إظهار الأشياء بشكل يبدو حقيقياً تماماً، ولعل الناظر وهو يتأمل في بطن الدلة أو قاعدة الفنر، سيلاحظ أن الألوان المحيطة بها تنعكس بشكل خفيف على الأسطح المعدنية، وهذا التداخل اللوني البديع يجعل القطع التراثية تبدو وكأنها جزء لا ينفصل عن البيئة المحيطة بها.
*أسلوب لوني
الواضح أن الفنانة رسمت خطة لونية مدروسة بدقة لتمثيل التراث بشكل جيد، فهي تجمع بين حرارة الموروث والذكاء في عملية التوزيع البصري، موظفة ضربات الفرشاة لرسم صورة واقعية. والملاحظ هو هيمنة اللونين الأحمر والبرتقالي في قماشة «السدو» التي تشكل المساحة الأكبر من اللوحة، وهو اختيار مدروس لأن الألوان الدافئة تشير إلى بيئة الصحراء، ودفء العلاقات والتجمعات الأسرية، وترابط المجتمع. كما أن الفنانة قامت بتوظيف تدرجات الأصفر الذهبي والنحاسي في الدلة والفنر بتوزيع متوازن يريح العين ويعكس التناغم، فيما يظهر اللون الأسود في نقوش «السدو» ليعطي اللوحة ثقلاً وعمقاً، وكذلك من أجل إبراز تفاصيل الأشكال. كذلك فإن الفنانة جمعت بين ضربات الفرشاة اللامعة والقوية، فضلاً عن الضربات السريعة الخاطفة.