قد يكون من الصعب الحفاظ على مكانة الاقتصاد الكبير الأسرع نمواً في العالم في ظل الضغوط التضخمية والقيود المالية التي تهدد بكبح جماح الإنفاق الحكومي، بحسب تقرير لشبكة سي إن بي سي الأمريكية تناول الحالة الهندية.
لكن الهند لا تستطيع تحمل فقدان ميزتها في النمو؛ فهي تتنافس لجذب اهتمام المستثمرين العالميين الذين وضعوا البلاد في مرتبة ثانوية حالياً، مفضلين التركيز على الفرص الاستثمارية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي — وهو مجال تفتقر إليه قصة النمو في هذه الدولة الواقعة في جنوب آسيا.
لذا، وبهدف الحفاظ على زخم النمو الاقتصادي في ظل اتساع العجز المالي، تكثف البلاد عمليات بيع حصص في الشركات المملوكة للدولة؛ حيث قامت الحكومة ببيع أسهم في 10 شركات منذ بداية العام، وذلك رغم حالة الركود التي تشهدها الأسواق.
وقد باعت الحكومة هذا العام حصصاً في عدة شركات، منها «كوتشين لبناء السفن»، و«الشركة الهندية لتمويل السكك الحديدية»، و«شركة الطاقة الكهرومائية الوطنية»، و«كول إنديا»، كما أتمت يوم الأربعاء واحدة من أكبر صفقات بيع الحصص.
إذ جمعت الحكومة 3.3 مليار دولار من خلال بيع حصة تبلغ 6.5% في أكبر شركة لتأمين الحياة في البلاد، وهي «شركة التأمين على الحياة الهندية» (LIC). وقد طُرحت الأسهم بخصم سعري نسبته 10% لجذب المشترين، مما أدى -كما كان متوقعاً- إلى تجاوز حجم الطلب على الأسهم المعروضة.
ورغم أن الحكومة ملزمة قانوناً بتقليص حصصها في هذه الشركات للامتثال للوائح الإدراج في البورصة، إلا أن العام الحالي شهد ارتفاعاً مفاجئاً وحاداً في وتيرة هذه الصفقات.
يُذكر أن آخر مرة حققت فيها الحكومة الهندية هدفها المتعلق ببيع حصص في الشركات المملوكة للدولة (برنامج التخارج من الاستثمارات الحكومية) كانت في السنة المالية المنتهية في مارس 2019.
موجة بيع الحصص الحكومية
باستثناء شركة التأمين «LIC»، باعت الهند حصصاً في 9 شركات مملوكة للدولة وجمعت ما يقرب من 270 مليار روبية (2.8 مليار دولار) -وهو أعلى رقم تسجله منذ أكثر من 10 سنوات- وذلك وفقاً لبيانات شركة «برايم داتابيز» المتخصصة في معلومات السوق الهندية.
وتتجاوز حصيلة بيع حصة في شركة التأمين «LIC» وحدها هذا الرقم بفارق كبير، مما يعكس توجهاً متزايداً لدى الدولة نحو جمع الأموال دون زيادة العجز المالي.
ويرى الخبراء أن الحكومة تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق هدفها السنوي المتمثل في جمع 800 مليار روبية (8.4 مليار دولار) من خلال بيع حصص في الشركات المملوكة للدولة، مشيرين إلى أن هذه الأموال ستكون بالغة الأهمية للهند في ظل مواجهتها لتحديات اقتصادية كلية متفاقمة. حققت البلاد الآن أكثر من 65% من هدفها السنوي لبيع حصص الدولة في الشركات (التخارج الاستثماري).
وصرحت أنوبوتي ساهاي، رئيسة أبحاث الاقتصاد الهندي في بنك «ستاندرد تشارترد»، لشبكة CNBC بأن «الاستفادة من عائدات بيع الحصص تُعد استراتيجية جيدة للغاية»، مشيرة إلى أن الحكومة تواجه مخاطر انخفاض الإيرادات ومخاطر ارتفاع النفقات بسبب تزايد أعباء الدعم الحكومي.
وأوضحت أن الهند لم تحقق أهدافها المتعلقة ببيع الحصص لسنوات نظراً لتمتعها بـ «وضع مالي مريح» آنذاك، مضيفة أن بيع الحصص حالياً يشبه اللجوء إلى «مقتنيات العائلة الثمينة» (أصول استراتيجية) في أوقات الحاجة.
وفي الربع المنتهي في يونيو، بلغ العجز التجاري للبلاد في السلع والخدمات 37.4 مليار دولار. كما بلغ العجز المالي في نهاية يونيو 3.1 تريليون روبية، أي ما يعادل 18.2% من تقديرات الميزانية للسنة المالية المنتهية في مارس 2027.
ورغم أن هذا الوضع ليس استثنائياً بالنسبة للهند، إلا أن البلاد شهدت أيضاً تدفقات رأسمالية كبيرة إلى الخارج من قبل المستثمرين الأجانب، مما يحد من قدرتها على تغطية نفقات الاستيراد المتزايدة. وأشار خبراء إلى أن هذه التدفقات الخارجة أدت إلى ضعف العملة وتشديد الظروف المالية المحلية.
وذكرت ألكسندرا هيرمان براساد، كبيرة الاقتصاديين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»، أن تسارع وتيرة بيع الحصص الحكومية يعكس «ضغوطاً مالية متزايدة»، مضيفة أن هذه الأموال «ستوفر إيرادات مفيدة لا تشكل ديوناً، في ظل صعوبة تحقيق هدف العجز نتيجة النمو القوي في النفقات».
اتجاه إيجابي
وتُعرف الإيرادات غير المرتبطة بالديون بأنها الدخل الذي تحققه الحكومة ولا يترتب عليه التزامات سداد مستقبلية.
وفي تقرير صدر يوم الاثنين، وصفت شركة الوساطة العالمية «سيتي» هذا الاتجاه بأنه «إيجابي»، مشيرة إلى أن دعم الوقود والغذاء والأسمدة في الهند ارتفع بنسبة 37% على أساس سنوي خلال الربع المنتهي في يونيو، ومع ذلك لم تقم الدولة الواقعة في جنوب آسيا بتقليص إنفاقها الرأسمالي.
وقال كريستيان دي غوزمان، نائب الرئيس الأول لمجموعة المخاطر السيادية في وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني، لشبكة سي إن بي سي الأمريكية إن العائدات التي تفوق التوقعات من بيع الحصص من المرجح أن تخفف الضغوط المالية الناجمة عن ترشيد ضريبة السلع والخدمات (GST) في سبتمبر 2025، فضلاً عن التكاليف المرتبطة بالاستجابة السياساتية للصدمة القادمة من الشرق الأوسط.