مع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف، تتحول المسابح في دبي إلى ملاذ مائي مفضّل للأسر الباحثة عن الترفيه والانتعاش، خاصة للأطفال. وبينما تُعد هذه المرافق من أبرز عناصر الجذب السياحي والمعيشي في الإمارة، فإن الوجه الآخر لهذه المتعة لا يخلو من المخاطر التي قد تحوّل لحظات المرح إلى مآسٍ. فقد شهد الصيف الحالي سلسلة حوادث غرق كادت تودي بحياة عدد من الأطفال، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات ملحّة عن مدى الالتزام بإجراءات السلامة، ودور الجهات الرقابية، ومدى وعي أولياء الأمور بمسؤولياتهم.
قصة الطفل الهندي علي، الذي نجا بأعجوبة من الغرق في أحد المسابح العامة بدبي، وما تواجهه أسرته من صدمة نفسية وفواتير طبية باهظة، ما هي إلا مثال واحد على ما يمكن أن يحدث في لحظة غفلة، أو في بيئة تفتقر إلى الرقابة والجاهزية. وتتكرر الحوادث المشابهة في مسابح الفلل الخاصة، والأبراج السكنية، وحتى في حدائق الألعاب المائية التي يقصدها آلاف الزوار يومياً.
هذا التحقيق التي يرصد واقع المسابح في دبي خلال موسم الصيف، عبر قصص وشهادات حقيقية لأسرٍ مرّت بتجارب مؤلمة، وتحذيرات من أطباء وخبراء في السلامة، إلى جانب استعراض للإجراءات التي تتبعها البلدية وشرطة دبي، ودعوات لتكثيف التوعية وتحمّل المسؤولية الجماعية لحماية أرواح الأطفال من خطر الغرق.
وحثت المهندسة خديجة أبو العز، على عدم ترك الأطفال يلعبون في الماء من دون إشراف مباشر مهما تكن قدرتهم على السباحة وأهمية إغلاق الأبواب المؤدية إلى المسابح في البيوت لمنع دخول الأطفال من دون علم الكبار.
كما طالبت بتكثيف الجهات المختصة للحملات التوعوية لنشر ثقافة السلامة والوقاية بين الأسر وتعزيز الوعي المجتمعي بالسلوكات التي تحول دون وقوع الحوادث.
تجارب مؤلمة
طالب المواطن خالد سيف، بإعادة النظر في تحديد أعماق المسابح الخاصة وإلزام الملّاك بوضع لوحات إرشادية واضحة، وإنشاء مسابح منفصلة للفئات العمرية الصغيرة، لحماية الأطفال من مخاطر الغرق غير المتوقع. كما دعا إلى إعادة النظر في تصاميم أحواض السباحة المنزلية لضمان سلامة المستخدمين الصغار.
تحدث عبدالله علي، عن حادثة كادت تودي بحياة أطفاله الصيف الماضي، حين سحبتهم موجة قوية على الشاطئ.. ولولا وجود المنقذين وتدخلهم السريع لوقعت مأساة. مؤكداً أن وجود المنقذين ليس ترفاً بل ضرورة لحماية أرواح الأبرياء.
سلك كهربائي
قال ياسر الصفدي إنه في أحد الأيام زار مسبحاً عاماً ولاحظ وجود عدد من الأطفال يلعبون في الماء، لكنه شعر بشيء غير طبيعي في المسبح، فتوجه بسرعة إلى المسؤولين للتحقق، وتبين له وجود سلك كهربائي داخل المياه، ولولا العناية الإلهية وانتباهه السريع لما كان يعلم كيف نجا الأطفال من كارثة كانت تهدد حياتهم.
ليلى زاهر، ربة منزل شددت على ضرورة عدم ترك الأطفال بمفردهم في المسابح، ودعت الأسر إلى تحمل المسؤولية بشكل أكبر، مع اشتداد حرارة الصيف وازدياد الإقبال على المسابح.
حادثة مؤلمة
ويروي أحمد المرزوقي، حادثة مؤلمة تعرض لها نجله الصغير، أثناء نزهتهما في مسبح إحدى الفلل الخاصة، حيث كان الطفل يلعب بحماسة، عندما انزلقت قدمه داخل المسبح العميق، ولم يكن هناك أي سياج أمان أو تحذيرات توضح عمق المياه. حاول اللحاق به بسرعة لكنه لم يستطع الوصول إليه في الوقت المناسب، لولا تدخل أحد الجيران الذين كانوا بالقرب من المسبح، وتمكنهم من إنقاذ الطفل. وأشار إلى أن هذه الحادثة كانت صدمة حقيقية جعلته يعيد التفكير جدياً في أهمية وجود إجراءات سلامة صارمة في المسابح الخاصة، وعدم الاعتماد على الحظ فقط في تفادي الحوادث.
احمد المرزوقي
غياب المنقذين والنظافة
وقال رجل الأعمال أحمد سند السويدي: غياب المنقذين في بعض المسابح الخاصة والعامة شكّل قلقاً كبيراً للأهالي، خاصة في الأماكن التي يرتادها الأطفال يومياً، وهو ما يعزز الحاجة إلى وجود رقابة دائمة وتدريب متخصصين في عمليات الإنقاذ البحري والبري. ولا يقف الخطر عند الغرق، بل يتعداه إلى الجوانب الصحية حيث أشار عدد كبير من الأهالي إلى غياب النظافة والتعقيم في بعض المسابح ما يسهم في انتشار الأمراض الجلدية والتنفسية خاصة مع تزايد الازدحام وسوء صيانة أنظمة تنقية المياه.
أحمد السويدي
تحذيرات وإرشادات
حذّرت الدكتورة جود مسكجي، مختصة الجلدية والتجميل، من خطورة استخدام المسابح غير الخاضعة للرقابة. مؤكدة أن بعض التصرفات العشوائية مثل القفز في المياه، قد تسبب إصابات خطِرة تصل إلى الشلل أو الوفاة.
الدكتورة جود مسكجي
ونبهت إلى ضرورة استخدام واقيات الشمس بدرجة حماية لا تقل عن خمس عشرة، وفقاً لتوصيات منظمة الصحة العالمية. وتجديد الواقي كل ساعتين حتى وإن كان مقاوماً للماء.
كما شددت على أهمية حماية الأطفال من التعرض الطويل لأشعة الشمس، لأن الأشعة فوق البنفسجية تخترق مياه المسابح وتؤدي إلى حروق جلدية، ونصحت بتوفير ترطيب مستمر لهم وإخراجهم من الماء دورياً إلى أماكن الظل.
إجراءات بلدية دبي للوقاية
أكد المهندس سلطان خلفان الدهماني، مدير قسم السلامة في بلدية دبي، أن البلدية لتولي سلامة المسابح أولوية قصوى، حيث تفرض إجراءات صارمة تشمل وضع حواجز حماية حول المسابح المنزلية، وتفريغ الأحواض عند عدم الاستخدام وصيانة أنظمة تنقية المياه دورياً.
سلطان خلفان الدهماني
ودعا إلى التواصل مع إدارة الصحة والسلامة في البلدية، عبر الخط الساخن 800900 أو البريد الإلكتروني [email protected] للإبلاغ أو الاستفسار.
تعاميم احترازية
أصدرت البلدية كذلك تعاميم تتضمن ثلاثة وعشرين إجراءً احترازياً تشمل تعقيم المسابح دورياً، وسحب عيّنات من المياه للتأكد من خلوّها من البكتيريا، مع تعقيم المرافق المشتركة مثل الكراسي والطاولات وغرف تبديل الملابس، وكراسي الاستحمام بعد كل استخدام.
كما شددت على أهمية التباعد ومنع مشاركة الأدوات الشخصية داخل المسابح، وتوفير مناطق عزل مخصصة في حال الاشتباه في أي حالة مرضية.
حملات شرطة دبي
أطلقت شرطة دبي، حملات توعية مكثفة ضمن مبادرة «صيف آمن»، ودعت الأسر إلى مراقبة أطفالهم وعدم السماح لهم بالسباحة بمفردهم، حتى وإن كانوا متمرسين. وقال العميد الدكتور حسن السويدي، مدير مركز شرطة الموانئ: هناك تسع نقاط تمركز للإنقاذ البحري في دبي يعمل فيها غواصون مدربون على أعلى مستوى، وجاهزية تامة عبر الزوارق والدراجات البحرية والهوائية للتدخل الفوري في أي طارئ.
العميد حسن السويدي
وندعو الأهالي إلى عدم ترك الأطفال من دون رقابة داخل الحمام أو أحواض السباحة حتى للحظات قصيرة، واستخدام سترات النجاة دائماً للأطفال وتعليمهم السباحة ابتداءً من سن ست سنوات، ومراقبة الأطفال الذين يعانون أمراضاً عصبية أو إعاقات حركية.
التوعية المجتمعية
أكد الاختصاصي الاجتماعي عمرو عبد المغني، أن الغرق غالباً ما يحدث في لحظات الغفلة وعدم الالتزام بالإرشادات، والتوعية يجب أن تبدأ من الأسرة التي تمثل خط الدفاع الأول لحماية الأطفال من مخاطر المسابح والشواطئ.
رغم تعدد الجهات المسؤولة عن سلامة المسابح، فإن الحل لا يقتصر على الجوانب الفنية أو الرقابية فقط، بل يتطلب استراتيجية شاملة تشارك فيها الأسر والبلديات والشرطة وأصحاب المنشآت وحتى الأطفال أنفسهم، وفي المسابح السكنية والخاصة التي تشكّل أحد أكبر التحديات، يجب على الملّاك تركيب سياج حماية بارتفاع مناسب حول أحواض السباحة مع أبواب مؤمنة تغلق تلقائياً وأجهزة إنذار للكشف عن سقوط الأطفال في المياه، كما يجب أن تلتزم هذه المنشآت، بشروط تصميمية تراعي أعمار المستخدمين وعمق المياه مع فرض عقوبات على المخالفين.
وأكدت الاختصاصية النفسية نادية عبدون، أنه ينبغي إطلاق برامج تدريبية مستمرة لتعليم الأهالي كيفية مراقبة الأطفال داخل الماء، وتثقيفهم بقواعد السباحة الآمنة وأهمية استخدام وسائل الحماية كالسترات وعدم القفز أو اللعب العنيف في المياه، كما أن وجود منقذ معتمد، شرط أساسي لتشغيل أي مسبح خاص أو داخل مجمع سكني ويجب وضع جداول دوام تضمن وجوده خلال أوقات الذروة خصوصاً في عطلات الصيف.
الصيانة الدورية
وأشارت أروى هزاع، إلى التركيز على الصيانة الدورية لأنظمة فلترة وتعقيم المياه وسحب عيّنات لفحص جودة المياه والتأكد من خلوّها من الجراثيم وتقديم تقارير دورية للجهات المختصة، في الوقت ذاته لا يمكن إهمال دور التوعية المجتمعية عبر حملات إعلامية مكثفة ورسائل توعوية مستمرة تذكر الأهالي بضرورة الالتزام بإرشادات السلامة، كما يمكن للمجتمع نفسه أن يؤدي دوراً فعالاً بالإبلاغ عن أي إهمال أو مخالفات عبر القنوات الرسمية، مثل الخطوط الساخنة أو التطبيقات الحكومية المخصصة، ما يعزز الرقابة الذاتية ويسهم في حماية الأطفال وضمان صيف آمن بعيداً عن حوادث الغرق.
أروى هزاع
دورات صيفية
قال العميد الدكتور عبدالرحمن المعمري، مدير مركز حماية الدولي،: «إن شرطة دبي تبذل جهوداً كبيرة عبر مركز «حماية» الدولي لتعزيز المشاركة الطلابية في برامج التوعية الأمنية، حيث تستهدف زيادة هذه المشاركة بنسبة عشرين في المئة سنوياً. والدورة الصيفية الحالية خطوة متقدمة ضمن شراكة مجتمعية طويلة الأمد تهدف إلى الوقاية الاستباقية».
العميد عبد الرحمن شرف المعمري
مشيراً إلى أن عدد المشاركين هذا العام سيتجاوز ألفاً وثلاثمئة طالب وطالبة بين أحد عشر وثمانية عشر عاماً. وشرطة دبي رفعت مستوى التفاعل العملي مع المشاركين عبر دمج المحتوى النظري بالدورات الميدانية، حيث يرتبط كل موضوع تدريبي بزيارة ميدانية إلى جهات شرطية متخصصة، مثل إدارة مكافحة المخدرات والتحريات وغرفة العمليات 901. وأكد أهمية المبادرات التخصصية التي تشمل دورات الإنقاذ والغوص والاستجابة الأمنية، وتهدف إلى تنمية الحس الأمني لدى الطلبة، ومبادرة أمن المدارس التي تستمر على مدار العام لتعزيز بيئة مدرسية آمنة.