يحوّل أمبرتو إيكو المقالة القصيرة إلى أداة تشريح ثقافي، لا تبحث عن نسق مغلق بقدر ما تلتقط اهتزازات العالم وهو يفقد مركزه ومعناه، فهذه النصوص ليست تأملات عابرة في أحداث يومية، بل أرشيف فلسفي لزمن سائل، زمن تتفكك فيه الحقائق الكبرى، وتصبح الهوية نفسها قابلة للتبديل السريع مثل الأخبار والصور والاتجاهات.
ينطلق إيكو من تفاصيل تبدو هامشية: الإعلام، والتليفزيون، والاستهلاك، واللغة، والذاكرة، والإنترنت، والسياسة، والثقافة الجماهيرية، لكنه يكشف من خلالها عن تحول أعمق، أصاب الإنسان المعاصر: الانتقال من عالم المعنى إلى عالم التدفق.
لهذا يبدو كتاب «بابي ساتان أليبي وقائع مجتمع سائل» لإيكو كأنه كتابة ضد النسيان، لأن المجتمع السائل لا يحتفظ بشيء طويلاً، بل يستهلك الوقائع ثم يقذفها خارج الذاكرة الجماعية، هنا تصبح الثقافة مجرد تداول سريع للصور، ويتحوّل الرأي إلى انفعال لحظي، بينما تفقد الحقيقة ثباتها تحت ضغط الإعلام والتكرار.
إن مفهوم «السيولة» الذي يستحضره إيكو، في تقاطع ضمني مع زيجمونت باومان، لا يعني فقط تغير العالم، بل انهيار الأشكال الصلبة التي كانت تمنح الإنسان نوعاً من الاستقرار الرمزي: الأسرة، والأيديولوجيا، والهوية، والمرجعيات الفكرية، حتى فكرة المثقف نفسها.
في هذا السياق، يمارس إيكو نقداً لاذعاً لما يسميه ضمنياً «ابتذال المعرفة» حيث يصبح الجميع قادرين على الكلام، لكن دون قدرة حقيقية على الفهم، فوفرة المعلومات لا تنتج بالضرورة وعياً، بل قد تؤدي إلى ضجيج يحجب المعنى.
شبكة متداخلة
غير أن ما يمنح الكتاب قيمته الفلسفية ليس موضوعاته وحدها، بل أسلوبه أيضاً، إذ يكتب إيكو كما لو أنه يقاوم تفكك العصر بالسخرية والمعرفة معاً، فهو ينتقل من دانتي إلى القصص المصورة، ومن هيرودوت إلى الصحافة اليومية، كأن الثقافة شبكة متداخلة لا تعترف بالحدود الصارمة بين «الرفيع» و«الشعبي».
يوضح إيكو أن معالم المجتمع السائل بدأت بالتشكل تزامناً مع التيار المسمى ما بعد الحداثة، كان يرصد أزمة السرديات العظمى، وإعادة النظر في التاريخ بطريقة ترفيهية أو هزلية، وتقاطع مع النزعات العدمية بشتى الطرق.
يتناول إيكو أزمة الأيديولوجيات والأحزاب مشيراً إلى أن أحدهم قال إن الأحزاب باتت سيارات أجرة، يركبها قائد غوغائي أو زعيم مافيا، يتحكم بالأصوات، ويختار ركوبها بسلاسة وفقاً لما تجود به الفرص، وهذا ما ينزع وصمة العار عن الانتهازيين، لا بل يجعل تبدلاتهم مفهومة أيضاً، فليس الأفراد فحسب، بل المجتمع نفسه يعيش ضمن مسار ينحو إلى عدم الثبات متعمداً.
يتساءل إيكو: هل توجد طريقة للصمود في وجه السيولة؟ ويجيب: نعم توجد، وهي بالضبط أن نعي أننا نعيش في مجتمع سائل، يتطلب أدوات جديدة، ليصبح مفهوماً وربما متجاوزاً، غير أن المصيبة هي أن السياسة وأغلبية الأنتلجنسيا لم تدركا بعد خطورة الظاهرة، يبقى باومان حتى الآن مثل «صوت صارخ في البرية».
أما العنوان الغامض: «بابي ساتان أليبي» المأخوذ من الكوميديا الإلهية، فيختزل روح الكتاب كلها، كلمات مبهمة، متشظية، بلا معنى حاسم، لكنها تعبر بدقة عن عالم فقد يقينه النهائي، وصار يعيش داخل فوضى التأويلات.
يكتب إيكو عن هذا الاقتباس من دانتي قائلاً: على الرغم من محاولة جحافل الشرح إيجاد معنى لهذا البيت الأول من الجحيم، الأنشودة السابعة، يعتقد سوادهم الأعظم أنه بلا معنى محدد، إنها كلمات تشوش الأفكار عموماً، لا سيما أنها وردت على لسان بلوتوس، وقد تكون مجدية لأي نوع من الشيطنات. بهذا المعنى، لا يقدم بابي ساتان أليبي وقائع مجتمع سائل مجرد مقالات ثقافية، بل يقدم صورة فلسفية عن الإنسان المعاصر وهو يغرق في فائض التواصل، لكنه يزداد وحدة، ويتنقل بين آلاف الخطابات، لكنه يفقد القدرة على الإصغاء إلى المعنى العميق للأشياء.
في أحد المقالات يشير إيكو إلى أننا نشهد نكوصاً تكنولوجياً مثيراً للاهتمام، موضحاً أننا قبل ذلك كنا سيطرنا على سطوة التلفاز المزعجة، بفضل جهاز التحكم عن بعد، بحيث يمكن للمتفرج أن يقلب القنوات بعجالة، ليدخل والحال هذه في طور من الحرية الإبداعية.
كان التحرر النهائي من التلفاز قد وقع بفضل مسجل الفيديو، الذي أسهم بالتطور المعاكس، نحو السينماتوغراف، إضافة إلى أن جهاز التحكم مكننا من كتم الصوت، لنعود بذلك إلى فخامة الفيلم الصامت.
ثم جاء الإنترنت ليفرض تواصلاً أبجدياً بجدارة، ويقضي على حضارة الصورة، وما تسببه من مخاوف.
تطور تكنولوجي
يرى إيكو أن هناك أشكالاً من التطور التكنولوجي لا يمكننا الذهاب بها أبعد مما هي عليه، فلا يسعنا اختراع ملعقة آلية، فالملعقة التي كانت صالحة قبل ألفي سنة، لا تزال صالحة إلى يومنا هذا، وقد استغنينا عن الكونكورد، كما يقول، مع أنها كانت تصل باريس بنيويورك في ثلاث ساعات، التقدم قد يعني أن نرجع خطوتين إلى الوراء كالعودة إلى الدفع المروحي، عوضاً عن البترول وأشباهه.
إنه كتاب يجعلنا نتساءل: هل ما نعيشه اليوم هو وفرة في المعرفة، أم انهيار بطيء لفكرة الحقيقة؟