تحقيق: مريم المرزوقي وميثا المريخي
لكل أسرة إماراتية حكاية وتفاصيل مختلفة تبقى في الذاكرة بين جمعة الأبناء وضحكة الأحفاد وحرص الآباء على بقائها على قلب واحد بما تحمله من محبة، وسند، وترابط، وصلة رحم، وعادات وتقاليد تتوارثها الأجيال. وبالرغم من أن الحياة اليوم أصبحت سريعة مع التقنيات المعلومية فإن الأسر الكبيرة ما زالت تحافظ على قيمها بالتواصل، واللمّة، وغرس القيم الحميدة بالحب والتعاون وحب الوطن في الأبناء والأحفاد.
في وقتٍ اتجهت فيه معظم الأسر إلى الاكتفاء بعددٍ محدودٍ من الأبناء، ما تزال أسر تعيش نموذجاً مختلفاً، إذ تضم تحت سقفٍ واحد أو عدة سقوف عدداً كبيراً من الأبناء يمتد عبر أجيال مختلفة، ويحمل في تفاصيله حكايات عن الصبر والتماسك الأسري وتقاسم المسؤولية بين الإخوة.
لقاء القائد
وفي الأول من يوليو الماضي استقبل صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عدداً من المواطنين أصحاب الأسر الكبيرة الذين لديهم عشرة أبناء فأكثر، وأشاد خلال اللقاء بدورهم في بناء أسر إماراتية مترابطة ومحافظة على قيمها الوطنية والأخلاقية الأصيلة، لتأكيد مكانة الأسرة عند سموّه واهتمامه بها.
«الخليج» التقت عدداً من الأسر الإماراتية الكبيرة التي لديها عشرة أبناء فأكثر، وكل منها تحمل قصة مختلفة، لتروي كيف واجهت التحديات وإدارة الحياة اليومية، وكيف حافظت على ترابطها رغم كبر حجمها، كما تحدث عدد من الأجداد من هذه الأسر الكبيرة عن الفرق بين تربية الماضي وتربية الجيل الحالي، مؤكدين أهمية غرس القيم والأخلاق وحب الوطن في نفوس أبنائهم وأحفادهم، وأهمية حضور المجالس والزيارات والمناسبات العائلية.
حب الوطن
أحمد سعيد البادي، أبٌ لخمسة أولاد وخمس بنات، وجدٌّ لستة أحفاد قال، إن الأسرة الكبيرة سند، واجتماع الأبناء والأحفاد من أجمل النعم التي أشعر بها، وعندما أراهم مجتمعين أشعر بأن هذا من أعظم أرزاق الله. وأحرص على أن أغرس فيه الكثير من القيم منها المحافظة على الصلاة، وحب الوطن، واحترام الناس، والتعاون، والعطف، وحب عمل الخير، والصدقة. وصلة الرحم تجعلنا دائماً قريبين.
وأوضح عن الفرق بين التربية في الماضي والحاضر، أنه في الماضي كانت الحياة أبسط والأبناء كانوا يقضون وقتاً أطول مع أهلهم ويكتسبون منهم مباشرة، فيما التربية الحالية أصبحت تحتاج إلى متابعة أكبر بسبب التكنولوجيا، ما يتطلب من الأهالي أن لا يجعلوا الأجهزة تأخذ مكانهم بل يقضون وقتاً أطول مع أبنائهم بتشجيعهم على الأنشطة المفيدة.
أسرة أحمد سعيد البادي
الأسرة أساس السعادة
وأكد سالم علي اليحيائي، أنه أب ل 17 ابناً وجدّاً ل 12 حفيداً وقال «الأسرة الكبيرة ليست بكثرة أفرادها، بل بكثرة قلوبها التي تجتمع على المحبة والوفاء. وأهم قيمة حرص على غرسها في أبنائه تقوى الله، لأنها أساس الأخلاق والسلوك، لأنه عبرها يأتي الصدق، والأمانة والاحترام والرحمة وتحمل المسؤولية، والأسرة أساس السعادة وقوة المجتمع.
وأضاف، أبرز التحديات التي تواجه الأسرة الكبيرة توفير الوقت والاهتمام بجميع الأبناء وتحقيق العدل بينهم والمحافظة على التماسك. والتربية في الماضي كانت تعتمد على الانضباط واحترام الكبار، وتحمّل المسؤولية، بينما أصبحت في الوقت الحالي تعتمد على الحوار والتوجيه مع وجود تحديات فرضتها التقنية الحديثة، ووسائل التواصل الاجتماعي.
فرحة وبركة
وقال محمد صالح الكربي، أبٌ ل 21 ابناً وجدٌّ لحفيدتين إن اجتماع الأبناء والأحفاد حوله، أعظم شعور مؤكداً «عندما أرى بناتي وأحفادي مجتمعين حولي أشعر بالفرحة والبركة، وأحمد الله على هذه النعمة، وهذه اللحظات بالنسبة لي لا تقدر بثمن، وهي أجمل حصاد للعمر. وأحرص على تعليم أبنائي، الاحترام، وصلة الرحم، وحب الوطن، وتحمل المسؤولية. وعلى الإنسان أن يكون صاحب أخلاق طيبة ويخاف الله في جميع أموره. لأن التربية الطيبة، والاهتمام بالأبناء، والحوار يشعر الابناء بالأمان، والتحدي الأكبر في الأسر الكبيرة إعطاء كل ابن حقه خاصةً مع اختلاف الأعمار والأحوال».
النصيحة والتوجيه
وأكد علي أحمد الحوسني، أبٌ ل 11 ابناً ولديه 38 حفيداً، أن التربية لا تعتمد على المادة فقط، بل على دور الوالدين في النصيحة والتوجيه، والتربية مسؤولية الأب والأم، والحزم في التربية مهم ولكن تقال النصيحة بالكلمة الطيبة.
وأضاف، في السابق كان الناس يجتمعون في بيت واحد، والأبناء متقاربون، وأبنائي وبناتي يحرصون على السؤال عني والاطمئنان على باستمرار. والحمد لله رب العالمين أبنائي جميعهم قريبون من قلبي ولا ينسونني أبداً، حتى في الليل يتصلون للاطمئنان عليّ. وحب الوطن وخدمة الناس من القيم التي أحرص على غرسها فيهم منذ الصغر.
أسرة طحنون العامري
لمّة الأسرة
وقال طحنون العامري، إنه في أسرة مكوّنة من 12 أخاً وأختاً و37 حفيداً، وكبر الأسرة سند يجعل المناسبات أجمل. وأجمل ما في الأمر اللّمة، وأن يعرف الإنسان أن له سنداً، ونفرح عندما نجتمع. وقد تربى الأطفال معاً ومن أهم القيم التي غرسها في الأبناء احترام الكبير، وصلة الرحم، ووقوف الأخ مع أخيه. الترابط الأسري
وأوضحت شيخة الهاجري، أنها من أسرة تضم 12 ابناً و27 حفيداً، مؤكدة أن الأسرة الكبيرة تمنح أفرادها الشعور بالأمان والاهتمام، ووجود الجد والجدة والأعمام والعمّات والأخوال والخالات يجعل الحياة أجمل، ويقوّي صلة الرحم، ويملأ البيت بالبركة والفرح، مؤكدة أنها لا ترى أن تربية الأسرة الكبيرة تمثل تحدياً خاصةً في ظل ما توفره القيادة الرشيدة والدولة من دعم واهتمام بالأسر.
وعند اجتماع الأبناء والأحفاد تشعر بفرحة لا توصف لأنهم رزق من الله، ورؤيتهم تعطي شعوراً بأن تعب السنين أثمر.
تحمل المسؤولية
فاطمة سعيد الشعيلي، تروي تفاصيل حياة أسرتها المكونة من 15 ابنًا (8 ذكور و7 إناث)، مؤكدة أن الفارق العمري بين أكبر الأبناء وأصغرهم 24 عاماً، مشيرة إلى أن زوجها محمد العوفي، توفي عام 1992 تاركاً خلفه أسرة كبيرة ومسؤولية جسيمة.
وأضافت، عندما توفي زوجي كان أصغر أبنائي، عبدالله، لا يتجاوز عمره سنتين، بينما كان ابني الأكبر خالد قد تزوج قبل ذلك بشهر واحد فقط، وبين ليلة وضحاها، وجد خالد نفسه مسؤولاً عن تربية إخوته الصغار، إلى جانب مسؤوليته الجديدة تجاه أسرته الخاصة، وأول من وقف إلى جانبي في تلك المرحلة الصعبة كان أبنائي أنفسهم، فالأبناء الكبار هم من تحملوا معي عبء تربية إخوتهم الصغار، وابني سلطان ترك الدراسة والتحق بالعمل خلال مرض والدهما، ليكونا سنداً لي.
حب الأطفال
وقال المتقاعد ناجي عبدالله المنصوري، إن أسرته مكونة من 4 زوجات و29 ابناً. والفارق العمري بين أكبر الأبناء وأصغرهم 28 عاماً. ولم يكن هناك تخطيط مسبق للوصول إلى هذا العدد الكبير من الأبناء، وإنما جاء ذلك مع مرور السنوات.
وأضاف، تم الزواج على مراحل وبالترتيب، وكانت لكل مرحلة أحوالها، ورزقت من الأولى ب 4 بنات و6 أبناء، ومن الثانية ب 3 بنات و5 أبناء، ومن الثالثة ب 3 بنات و3 أبناء، ومن الرابعة ب 3 بنات وولدين. وكانت كل زوجة تتولى مسؤولية تربية أبنائها وإدارة شؤون القسم الخاص بها، مع تعاون الجميع عند الحاجة.
تماسك الأسرة
وقالت هاجر ناصر الصويدر: إن والدها توفي قبل عام، ترك خلفه أسرة من 29 ابناً وابنة، أنجبهم من ثلاث زوجات. وهذه الأسرة الممتدة حافظت على تماسكها وحبها رغم غيابه. مشيرة إلى أن والدها أنجب من الأولى 4 بنات و4 أولاد، ومن الثانية 3 بنات و9 أولاد. والثالثة أنجبت 4 أولاد و5 بنات، واليوم يمتد هذا العدد إلى 35 حفيداً وحفيدة، مشيرة إلى أن أجمل شيء في الأسرة الكبيرة هو السند والقوة والعزوة التي تشعر بها في كل موقف.
أسرة ناجي المنصوري