1. تضخم منخفض نسبياً
2. فائض الحساب الجاري
3. وضع مالي قوي ومتين
4. قطاع غير نفطي واسع
5. مصدات تجارية ولوجستية
6. دخل مرتفع للأفراد
تدخل دولة الإمارات 2026، باقتصاد أكثر تنوعاً وتضخم منخفض وفائض قوي في الحساب الجاري، وشبكة واسعة ومتعددة الجغرافيا من الشركاء، رغم الحرب وارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ التجارة العالمية.
ولا يمر الاقتصاد العالمي بأزمة نمو تقليدية بقدر ما يمر بمرحلة إعادة تشكيل عميقة للنظام الاقتصادي العالمي.
وبحسب دراسة لـ«وزارة الاقتصاد والسياحة»؛ فإن الحروب والتوترات الجيوسياسية؛ تعيد رسم طرق التجارة والطاقة، والتضخم العالمي لم ينتهِ تماماً رغم سنوات التشديد النقدي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد لضغوط جديدة، وتزداد القيود التجارية في وقت تتسارع فيه الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.
وفي خضم هذه البيئة المضطربة، تبدو دولة الإمارات في وضع أكثر صلابة نسبياً. فبينما خفّض «صندوق النقد الدولي» توقعاته للنمو العالمي لعام 2026 إلى 3% من 3.1% في أبريل/ نيسان الفائت، ورفع توقعاته لعام 2027 إلى 3.4%، يتوقع أن يظل الاقتصاد الإماراتي قادراً على تحقيق نمو حقيقي يبلغ 3.1% خلال 2026.
والأهم من معدل النمو نفسه، هو نوعية الأساس الذي يقف عليه هذا النمو: تضخم منخفض نسبياً، فائض كبير في الحساب الجاري، وضع مالي متين، وقطاع غير نفطي واسع، إلى جانب بنية تحتية وتجارية تمنح الدولة قدرة أكبر على التعامل مع الصدمات الخارجية.
اقتصاد عالمي «هشْ»
وأوضحت الدراسة التي تحمل اسم «مستجدات آفاق الاقتصاد العالمي: تحليل استراتيجي لتوقعات صندوق النقد الدولي وانعكاساتها على اقتصاد دولة الإمارات»؛ أن المرونة الإماراتية، تتجسد في وقت تبدو فيه البيئة العالمية أكثر تعقيداً.
فصندوق النقد يتوقع ارتفاع التضخم العالمي من 4.1% في 2025 إلى 4.7% في 2026، قبل أن يتراجع إلى 3.9% في 2027.
ويرتبط هذا الارتفاع بدرجة كبيرة بصدمة الطاقة والغذاء، واضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب استمرار قوة الطلب في بعض الاقتصادات وارتفاع الأجور في عدد من الأسواق المتقدمة.
وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن يتباطأ نمو التجارة العالمية في السلع والخدمات من 5% في 2025 إلى 3.5% في 2026، قبل أن يرتفع إلى 4.3% في 2027. وتزداد المخاطر عندما تتحول التجارة والطاقة من محركات للنمو إلى أدوات للصراع الجيوسياسي.
فأسعار النفط مرشحة للارتفاع بمتوسط 31.8% في 2026 مقارنة بسابقه، قبل أن تتراجع 11.8% في 2027، فيما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي المسال بنحو 50% في آسيا و25% في أوروبا منذ بداية الحرب، مقارنة بزيادة تقارب 10% في أسعار الغاز الأميركي المرجعي.
وبالنسبة للاقتصادات المستوردة للطاقة، تعني هذه التطورات ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج والنقل والتدفئة والغذاء. أما بالنسبة للدول المصدرة للطاقة، فهي تحمل في الوقت ذاته زيادة في الإيرادات، وإن كانت مصحوبة بمخاطر مرتبطة بتقلب الأسعار.
إنطلاقة إماراتية مغايرة
وأشارت الدراسة، إلى أن الإمارات، تنطلق من مفهوم مغاير تماماً على الصعيد العالمي، وبحسب توقعات «النقد الدولي» الصادرة في أبريل 2026، من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للإمارات 3.1% هذا العام.
لكن الرقم الأكثر دلالة ربما، هو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، الذي يتوقع أن يرتفع إلى نحو 54214 دولاراً في 2026، مقارنة بنحو 50232 دولاراً في 2025، بزيادة تقارب 3983 دولاراً، أو 7.9%.
ويضع هذا المستوى، الإمارات ضمن الاقتصادات ذات الناتج المرتفع للفرد، ويعكس ليس فقط قوة النشاط الاقتصادي، بل أيضاً قدرة الاقتصاد على توليد قيمة مرتفعة مقارنة بحجمه السكاني.
فارتفاع الناتج للفرد، إلى جانب قوة المالية العامة، يخلق مساحة أوسع للحكومة الاتحادية والقطاع الخاص والأسر، لامتصاص ارتفاع تكاليف المعيشة أو التمويل، مقارنة بالاقتصادات التي تدخل الصدمة بمستويات دخل أقل وهوامش مالية أضيق. والأهم، أن الاقتصاد الإماراتي لم يعد يعتمد على النفط وحده لتوليد النمو.
فالعقارات والسياحة والطيران والخدمات المالية والتجارة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والصناعة؛ أصبحت جميعها محركات رئيسية للنشاط الاقتصادي.
وبذلك، فإن ارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يدعم الإيرادات الخارجية، بينما تستطيع القطاعات غير النفطية توفير مصادر أخرى للنمو.
تضخم منخفض
ولفتت التقرير، إلى أنه في اقتصاد عالمي يستعد لموجة تضخمية جديدة، يمثل انخفاض التضخم المحلي في الإمارات أحد أهم عناصر القوة.
حيث يتوقع «صندوق النقد» أن يبلغ متوسط التضخم في الإمارات نحو 2.5% في 2026، وهو مستوى يظل منخفضاً مقارنة بالتضخم العالمي المتوقع عند 4.7%.
فالتضخم المنخفض يساعد على حماية القوة الشرائية، ويحد من الضغوط على تكاليف الأعمال، ويدعم ثقة المستثمرين والمستهلكين.
كما يمنح الاقتصاد مساحة أفضل للتعامل مع ارتفاعات أسعار الطاقة والشحن والغذاء دون أن تتحول الصدمة الخارجية بالضرورة إلى موجة تضخمية محلية واسعة.
ولا يعني ذلك أن الإمارات محصنة ضد موجة تضخم عالمية، فالاقتصاد المفتوح والمرتبط بالتجارة العالمية يتأثر حتماً بأسعار الغذاء والطاقة والنقل العالمية. لكن انخفاض التضخم الأساسي عند نقطة الانطلاق يجعل عملية امتصاص الصدمة أكثر قابلية للإدارة.
فائض الحساب الجاري
وأكد التقرير الاقتصادي، أن أحد أكثر المؤشرات دلالة على متانة الاقتصاد الإماراتي هو وضعه الخارجي.
حيث يتوقع «صندوق النقد» أن يسجل الحساب الجاري للإمارات؛ فائضاً يعادل نحو 11.4% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، أي ما يقارب 71 مليار دولار.
وهذا الفائض يعني أن الدولة تدخل المرحلة الحالية وهي تحقق تدفقات خارجية قوية، بدلاً من الاعتماد على التمويل الخارجي لتمويل احتياجاتها.
ففي بيئة عالمية تتسم بارتفاع تكاليف الاقتراض وتقلب أسواق المال، تصبح هذه الميزة أكثر أهمية. فالفوائض الخارجية توفر هامش أمان أمام تقلبات التجارة والطاقة وأسعار الفائدة، وتدعم استقرار العملة والقطاع المالي وثقة المستثمرين.أي إنها، باختصار، طبقة إضافية من الحماية ضد الصدمات.
«هرمز» ليس نقطة الاختناق الوحيدة
وبحسب التقرير، تمنح الجغرافيا الإمارات ميزة استراتيجية، لكنها في الوقت نفسه تضعها بالقرب من أحد أهم مصادر المخاطر العالمية. حيث يظل «مضيق هرمز» ممراً حيوياً للطاقة العالمية، وأي اضطراب طويل في حركة الملاحة يمكن أن يرفع تكاليف النفط والغاز والتأمين والشحن، ويضغط على حركة التجارة الإقليمية.
لكن الإمارات استثمرت على مدى سنوات في بناء بدائل للبنية التجارية التقليدية. وتوفر موانئ الدولة وشبكاتها اللوجستية ومرافق التخزين وخطوط نقل النفط، إضافة إلى موقع الفجيرة خارج مضيق هرمز، قدرة على إعادة توجيه جزء من تدفقات الطاقة والتجارة.
وتزداد أهمية هذه البنية في الظروف الجيوسياسية الحالية، حيث لم تعد القدرة التنافسية للموانئ تقاس فقط بسرعة المناولة، وإنما أيضاً بقدرتها على الاستمرار عندما تتعطل الطرق التقليدية. وهذا يمنح الإمارات ميزة استراتيجية: تنويع مسارات التجارة وليس فقط تنويع مصادر الدخل.
قناة تجارية إضافية
ويتوقع «صندوق النقد» تباطؤ التجارة العالمية خلال 2026، لكن الإمارات تراهن على أن تكون جزءاً من عملية إعادة تشكيلها. فالقيود التجارية والحمائية تعيد توزيع سلاسل القيمة، والشركات العالمية تبحث عن مراكز جديدة للإنتاج والتخزين وإعادة التصدير.
وهنا تبرز الإمارات كمركز تجاري ولوجستي ومالي بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. كما أن شبكة اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة التي توسعها الدولة، توفر قناة إضافية لتنويع الأسواق وتقليل الاعتماد على مسار تجاري واحد.
ففي عالم تتزايد فيه تكلفة المخاطر الجيوسياسية، تصبح الدول التي تستطيع توفير الاستقرار والاتصال والأسواق أكثر جاذبية لرأس المال العالمي.
التوسع في الذكاء الاصطناعي
والمفارقة الأخرى في توقعات «صندوق النقد»، هي أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يمثلان أحد مصادر القوة التي تعوض بعض آثار الصدمات العالمية.
حيث يشير «الصندوق» إلى أن دورة التكنولوجيا العالمية، المدفوعة بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ساعدت على إبقاء الاقتصاد العالمي أكثر مرونة مما كان متوقعاً. وهذا يلتقي مع استراتيجية دولة الإمارات.
فالاستثمار في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبنية الرقمية والطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة يمكن أن يحول الدولة من مجرد مركز لتدفق رأس المال والتجارة إلى مركز لإنتاج القيمة التكنولوجية.
وهنا تكمن إحدى أهم الرهانات الاقتصادية للإمارات في السنوات المقبلة: تحويل رأس المال والبنية التحتية والموقع الجغرافي إلى إنتاجية أعلى، وليس فقط إلى مزيد من النشاط التجاري.
النمو الإقليمي يتباطأ
في المقابل، تواجه منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى صدمة أكبر. حيث يتوقع «صندوق النقد» أن يتباطأ النمو في المنطقة إلى 0.7% في 2026، قبل أن يرتد بقوة إلى 6.5% في 2027 مع تحسن الظروف واستعادة النشاط.
ويعكس هذا المسار حساسية الاقتصادات الإقليمية للصراعات والطاقة والتجارة.
لكن الإمارات تمتلك، مقارنة بالعديد من اقتصادات المنطقة، مزيجاً أكثر تنوعاً من مصادر النمو والتمويل. وهذا لا يعني غياب المخاطر.
فاستمرار الحرب لفترة أطول، أو توسع نطاقها، أو حدوث اضطرابات مطولة في الملاحة والطاقة، أو تصحيح حاد في أسواق الذكاء الاصطناعي، أو ارتفاع الدين العالمي، يمكن أن يضغط على الاقتصاد الإماراتي أيضاً.
لكن السؤال الاقتصادي لم يعد ما إذا كانت الإمارات ستتأثر بالصدمات العالمية. بل أصبح: إلى أي مدى تستطيع امتصاصها؟
فالإجابة تبدو في مجموعة من المؤشرات التي تعمل معاً: نمو اقتصادي موجب، دخل مرتفع للفرد، تضخم محدود، فائض كبير في الحساب الجاري، مالية عامة متينة، قاعدة اقتصادية متنوعة، وبنية تحتية قادرة على إعادة توجيه التجارة والطاقة.
وتعني هذه العوامل، أن الإمارات لا تعتمد على إجراء واحد لمواجهة الأزمة، وإنما على منظومة كاملة من الهوامش الوقائية. ولهذا فإن التحدي المقبل لا يتمثل فقط في الحفاظ على النمو، بل في استخدام هذه الهوامش لتسريع التحول الاقتصادي.
والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والصناعات المتقدمة، والخدمات المالية الرقمية، والسياحة، والاقتصاد الإبداعي، ورأس المال البشري يمكن أن يرفع الإنتاجية ويقلل الاعتماد على دورات السلع الأساسية.
أما تنويع الأسواق التجارية والممرات اللوجستية، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية، واختبارات الضغط الاقتصادي، فهي أدوات لإدارة المخاطر التي أصبحت جزءاً دائماً من البيئة الاقتصادية العالمية.
سنوات من التأسيس
في النهاية، لا تكمن قوة الإمارات في كونها بعيدة عن العاصفة؛ إنها تقع في قلب منطقة شديدة الحساسية للطاقة والجغرافيا السياسية.
لكنها أسست خلال السنوات الماضية اقتصاداً يملك هوامش مالية وخارجية، ومصادر متعددة للنمو، وممرات تجارية بديلة، وقدرة عالية على استقطاب رأس المال.
وفي عالم يتباطأ فيه نمو التجارة ويرتفع فيه التضخم وتصبح الطاقة أكثر تقلباً، قد يكون هذا هو الفارق الأكثر أهمية. فالقوة الاقتصادية في المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بسرعة النمو، وإنما بقدرة الاقتصاد على مواصلة النمو عندما تتغير قواعد اللعبة العالمية.
وبهذه المعايير، تدخل الإمارات 2026 ليس من دون مخاطر، وإنما من موقع أكثر استعداداً لتحملها.