انشترت عبر مواقع التواصل ما يُعرف ب«ترند نحترق ولا نفترق»، حيث يعمد مراهقون إلى تصوير أنفسهم وهم يسكبون الماء الشديد السخونة أو سوائل حارة على أيديهم، ونشر المقاطع للحصول على التفاعل والمشاهدات، وما يظهر على الشاشة في مشهد قصير لا يتجاوز الثواني، ينتهي إلى إصابات فعلية بحروق جلدية متفاوتة الشدة، بعضها يترك آثاراً طويلة الأمد.
كشف عدد من الأطباء ل«الخليج» عن رصد حالات مرتبطة بهذا السلوك، موضحين أن خطورته لا تقتصر على الألم اللحظي، بل قد تصل إلى تلف الطبقات العميقة من الجلد وتأثر الأعصاب. مشددين على أن الظاهرة أصبحت قضية صحية ونفسية تستدعي دوراً أكبر للأسرة والمدرسة والإعلام في التوعية والوقاية.
وقالت الدكتورة مريم السويدي، استشارية ورئيسة قسم الأمراض الجلدية في «مدينة الشيخ شخبوط الطبية»: الأضرار الجسدية الناتجة عن التعرض للماء الساخن تعتمد على درجة حرارة الماء والمدة التي يتعرض فيها الشخص له. وأضافت أن الأضرار تنقسم إلى نوعين: فورية تشمل جفافاً شديداً في البشرة واحمراراً وحروقاً سطحية أو عميقة بحسب درجة الحرارة ومدة التعرض، ودائمة تعتمد على درجة الحروق وقد تكون على شكل ندب دائمة في أماكن الإصابة.
د. مريم السويدي
وأوضحت أن الحروق ثلاثة أنواع: الدرجة الأولى يظهر فيها احمرار خفيف في مكان التعرض مع الإحساس بالحرق، وتلتئم من دون أن تترك أثراً أو ندبة، وقد تسبب تصبغات بنية سطحية تزول مع الوقت. والثانية على شكل فقاعات، وتنقسم إلى سطحي يلتئم من دون أن يسبب ندباً، وعميق يلتئم مع تكوّن ندب في المكان، أما الدرجة الثالثة فيحدث فيها موت كامل لطبقات الجلد، مع تصلب أو تيبّس في المنطقة وفقدان كامل للإحساس، مؤكدة أن شدة الإصابة تختلف بحسب مدة التعرض ودرجة حرارة الماء، وأن الحروق من الدرجة الثانية أو الثالثة قد تترك آثاراً دائمة. وأضافت أن الطبقة الواقية للجلد هي السطحية، وفي الحروق السطحية يحدث احمرار خفيف ولا تتأثر كثيراً، بينما في حروق الدرجتين الثانية أو الثالثة يحدث تأثر كامل وقد تموت، ما يؤدي إلى ندب وآثار دائمة في المكان.
رصد حالات
وأكدت الدكتورة خلود الشميلي، مختصة جراحة الحروق، رصد حالات مرتبطة بترندات خطِرة منتشرة على مواقع التواصل، حيث إن الأخطاء الشائعة التي يرتكبها المصابون عند التعامل مع الحروق وضع الزيوت أو القهوة أو الدقيق أو معجون الأسنان أو الثلج، واستخدام مراهم ومضادات حيوية من دون وصفة طبية، وتغطية الجرح بقطن عادي، وتجاهل تقييم الحرق من المختصين.
د. خلود الشميلي
وبيّنت أن الطريقة الصحيحة تتمثل في إبعاد مصدر الحرارة وتبريد الجزء المحروق بالماء بين 15 و20 دقيقة، مع إزالة الملابس الضيقة والإكسسوارات، ثم مراجعة الطبيب لتقييم الحرق وتعقيمه وتغطيته بالضمادات الطبية المناسبة.
مضاعفات طويلة
وأشارت إلى أن الحروق قد تسبب مشكلات طويلة المدة إذا كانت عميقة أو واسعة ولم تعالج بالطريقة الصحيحة.
وحذرت من الاعتماد على نصائح الإنترنت أو الذكاء الاصطناعي بديلاً من الاستشارة الطبية، لأن الطبيب هو من يقيّم عمق الحرق ومساحته ووجود الالتهاب، ويحدد نوع الضمادات وموعد تغييرها، وما إذا كانت الحالة تحتاج إلى دخول المستشفى أو يمكن علاجها، لكونه مريضاً خارجياً.
الاستبعاد الاجتماعي
وقالت عزيزة المغيولي، مختصة علم النفس: المشكلة ليست في الماء الساخن، بل في العطش النفسي للانتباه، لأن بعض الشباب يعيشون ب«اقتصاد المشاهدات»، حيث تُقاس القيمة الذاتية بعدد الإعجابات.
عزيزة المغيولي
وأضافت أن المراهق لا يسكب الماء الساخن لأنه يحب الألم، بل لأنه يريد أن يشعر بوجوده. وبعضهم يختبرون حدود أجسادهم لاختبار حدود وجودها. موضحة أن مركز المكافأة في الدماغ يكون نشطاً جداً في مرحلة المراهقة، بينما لم يكتمل نمو مركز اتخاذ القرار بعد، ما يؤدي إلى اندفاع أعلى وتقدير أقل للمخاطر.
وأشارت إلى أن المشاركة في التحدي بالنسبة لبعضهم تعني الانتماء والشعور بالشجاعة وكونه جزءاً من المجموعة. والخوف من التجاهل قد يكون أحياناً أقوى من الألم. وأوضحت أن منصات التواصل لا تروّج للسلوك المنطقي بقدر ما تروّج للمحتوى الصادم، فكلما كان المحتوى أكثر جرأة زاد انتشاره، ومع التكرار يحدث ما يُعرف نفسياً بإزالة الحساسية التدريجية، بحيث يصبح ما كان صادماً بالأمس أمراً عادياً اليوم.
مؤشرات مهمة
وأضافت أن المشكلة ليست في التحدي ذاته بل فيما يقف خلفه، داعية الأهل إلى الانتباه لمؤشرات مثل البحث المفرط عن التفاعل الرقمي، وارتباط المزاج بعدد المشاهدات، والاندفاع في قرارات خطرة، والحساسية الشديدة للنقد، والشعور بعدم الانتماء، لأن الخطورة تبدأ عندما تصبح قيمة الطفل مرتبطة بالشاشة. وأكدت أن المنع وحده لا يكفي، فكلما زاد الحظر من دون فهم، زاد الفضول. والدور الحقيقي يتمثل في تعزيز تقدير الذات بعيداً من مواقع التواصل، وتعليم التفكير النقدي، وشرح كيفية عمل الخوارزميات، وتدريب الأبناء على تقييم المخاطر.
إيذاء النفس
وأثار انتشار هذه السلوكيات الخطرة بين بعض الشباب جدلاً واسعاً حول مفهوم الصداقة وحدود التعبير عن الوفاء، بعدما تحولت ممارسات مؤذية للنفس إلى وسيلة لإثبات المشاعر والتقارب، ما دفع إلى تساؤلات مجتمعية بشأن أثرها في ترسيخ مفاهيم خاطئة لدى المراهقين والأطفال، في ظل تقليدها دون إدراك لعواقبها الصحية والنفسية.
والتقت «الخليج» عدداً من الشباب والفتيات من مختلف الفئات العمرية، حيث عبروا عن رفضهم لهذه السلوكات، مؤكدين أن الصداقة لا تُقاس بإيذاء النفس أو المخاطرة بالصحة، بل بالمواقف الصادقة والدعم الحقيقي في الأوقات الصعبة.
المواقف والعِشرة
وأكدت قوت الكعبي، أن هذه الممارسات «تخلف»، لأن الصداقة تُبنى على المواقف والعِشرة بين الأشخاص، ولا تستدعي إيذاء النفس لإثبات الإخلاص أو الوفاء للطرف الآخر. وبيّنت أن المحبة والوفاء يمكن إثباتهما بالتعامل والمواقف بين الأصدقاء، لا بتعريض الإنسان نفسه للأذى، لافتة إلى أن الإقدام على ذلك قد يحقق نتائج عكسية، إذ يسبب ألماً جسدياً ونفسياً، وربما يكون موجهاً لشخص لا يستحق تلك التضحيات.
قوت الكعبي
وأوضحت أن هناك ممارسات إيجابية وأخرى سلبية، مؤكدة رفضها أي سلوك يعرّض الإنسان للضرر صحياً أو جسدياً أو نفسياً، لأن العلاقات لا تُقاس بالأذى ولا بإثباتها بهذه الطريقة.
وقال حميد البلوشي: «الوفاء لا يحتاج إلى إيذاء النفس لإثباته، فالصداقة الحقيقية تظهر في المواقف الصادقة والوقوف مع الصديق في الأوقات الصعبة، وأخشى أن تصل هذه السلوكات إلى الأطفال فيعملون على تقليدها، خصوصاً مع كثرة استخدامها ومشاهدتها، لذلك من المهم التوقف عنها وعدم تقديمها على أنها دليل محبة أو ولاء».
حميد البلوشي
وأكدت بشائر السلامي، أن ما يتداول من محتوى يقوم على سكب الماء الحار على اليد سلوك مقلق وغير مسؤول. وتعريض النفس للأذى الجسدي من أجل المشاهدات لا يمكن تبريره، خاصة عندما يتحول إلى ممارسة تُقلَّد من دون وعي بالمخاطر، وهذا النوع من المحتوى يطبع فكرة إيذاء الذات كأمر عادي أو مسلٍّ، رغم وجود فئات عمرية مختلفة قد لا تميّز بين الرمز والخطر الحقيقي.
بشائر السلامي