الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

مدريد.. تاريخ عاصمة أوروبية بتوقيع عربي

16 أغسطس 2026 13:50 مساء | آخر تحديث: 16 أغسطس 14:21 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
مدريد.. تاريخ عاصمة أوروبية بتوقيع عربي
icon الخلاصة icon
كتاب يكشف أصول مدريد الإسلامية: تأسيس عربي بالقرن 9، معنى الاسم «مجريط»، تأثير مائي ولغوي ومعماري، واستمرار المسلمين حتى 1502 وما بعده
يقدم كتاب «مدريد الإسلامية.. الأصول الخفية لعاصمة مسيحية» قراءة مغايرة لتاريخ العاصمة الإسبانية، على يدي مؤلفه دانيال خيل بن أمية وقد ترجمه إلى العربية د. خالد سالم. هنا، نحن أمام كتاب يمثل قيمة مضافة لما نشر عن الأندلس وعن مدريد، العاصمة الأوروبية الوحيدة التي أسسها العرب في القرن التاسع الميلادي، وأضفت ثراء على الحضارة الإنسانية.
ينطلق الكتاب من طرح جديد، يعد امتداداً لما أثير سابقاً حول الأصل العربي لاسم «مدريد» ويكشف أن كلمة «مجريط» تتكون من كلمتين: «مجرى» العربية، واللاحقة اللاتينية «إيت» التي تفيد الكثرة، في إشارة إلى وفرة المجاري المائية الجوفية، التي قامت عليها المدينة، أي أن اسمها يعني المكان، الذي تكثر فيه المجاري المائية، فباطن مدريد عبارة عن مجار وقنوات جوفية، كانت تحمل الماء إلى بيوت المدينة وحدائقها ومزارعها وحماماتها.

*طبقات خفية


يأخذنا المؤلف إلى منتصف القرن التاسع الميلادي، حين أسس الأمير محمد الأول هذه المدينة، لتكون ثغراً بين طليطلة وقرطبة، عاصمة الخلافة الأموية آنذاك، وفي هذا السياق، يناقش التحول في تسمية المدينة من «مدريد العربية» كما كان شائعاً، إلى «مدريد الإسلامية» وهو اختيار دلالي يعكس حضور العنصر البربري في تشكيل تاريخ الأندلس منذ الفتح، حتى سقوط غرناطة، آخر المعاقل الإسلامية عام 1492.
دانيال خيل
دانيال خيل

يقدم الكتاب رؤية تتجاوز السرد التقليدي، ليعيد مساءلة التاريخ من زاوية الهوية، واللغة، وتراكم الحضارات، كاشفاً عن طبقات خفية، لا تزال تسكن ذاكرة المدن، فيأتي في لحظة تاريخية فارقة، وفي وقت يحاول فيه البعض إضفاء ضبابية على الماضي العربي في شبه جزيرة إيبيريا.
يتطرق الكتاب إلى آلاف الكلمات الإسبانية ذات الأصل العربي التي لا تزال مستخدمة، بالإضافة إلى العادات والتقنيات الزراعية (مثل استخدام القنوات المائية) التي ورثتها مدريد عن أسلافها المسلمين، ولا يقف الكتاب عند حدود الماضي، بل يربط استعادة هذا التاريخ بالواقع المعاصر.
تبعاً للمؤلف الذي تنحدر أصوله من غرناطة الأندلسية، كانت المدينة تحت هيمنة بني سالم من أمازيغ المغرب، وحملت اسمهم، وأصبحت تدعى «مدينة سالم» وهو الاسم الذي عرفت به عند الإسبان، ويذكر المؤلف أن العديد من المصادر العربية تذكر تطور مدريد الإسلامية، مثل كتابات الجغرافي الشريف الإدريسي، الذي تحدث عن المدينة بعد انتزاعها من يد المسلمين، وخضوعها لمملكة قشتالة عام 1085، وبقي المسلمون فيها إلى عام 1502، ثم أُجبروا على اعتناق المسيحية، وأصبحت عاصمة لإسبانيا عام 1561.

*سير


لا يزال تاريخ مدريد الإسلامية يثير الكثير من التساؤلات، حول تاريخ شوارعها، وسيرة بعض الشخصيات التي عاشت فيها، ويسعى الكتاب من خلال علم الآثار، والوثائق، إلى تسليط الضوء على ماضي تلك الحاضرة المزدهرة، التي قام الإدريسي بوصفها منذ ما يقرب من ألف عام، كما ذكرنا، ولا تزال أصداء وصفه باقية حتى اليوم.
يستكشف الكتاب تاريخ المدينة منذ تأسيسها في زمن إمارة الأندلس، مروراً بالتحولات التي طرأت على المجتمع المسلم «الموريسكي» في مدريد المسيحية في العصور الوسطى، وحتى فجر العصر الحديث، عندما تمت تصفية آخر بقايا الحضارة الأندلسية.
يغطي الكتاب ما يقرب من 750 عاماً من الوجود الإسلامي في مدريد، وهو تراث لم يعرف ويقدر بشكل عام إلا من قبل المتخصصين، بسبب عوامل مختلفة، من أبرزها مساعي الهدم والتدمير المادي والرمزي المتواصل لهذا الإرث، منذ عام 1561، فلم يكن من الممكن أن تتخذ مدريد كعاصمة للدولة الإسبانية، وهي لا تزال محتفظة بطابعها الإسلامي.
يتناول فترة طويلة من الوجود الإسلامي في مدريد، بدءاً من التأسيس كـ«ثغر» لحماية طليطلة، مروراً بالتعايش الذي أعقب السقوط في أواخر القرن الحادي عشر، ووصولاً إلى الوجود المستمر للأقلية الموريسكية، وكيف أثر هذا الوجود العميق في البنية المادية والثقافية واللغوية للمدينة حتى العصر الحديث.

*أدلة


ينقسم الكتاب إلى عدة محاور، تعمل على تفكيك فكرة «مدريد القوطية المسيحية الخالصة» التي تم الترويج لها طويلاً، وتقديم الأدلة القوية على أصولها الأندلسية، ويصحح الاعتقاد السائد بأن سقوط مدريد في يد القشتاليين في عام 1083 يعني انتهاء الوجود الإسلامي.
على العكس من ذلك، يوضح المؤلف أن المجتمع الإسلامي ظل حياً وفاعلاً داخل المدينة لقرون تالية كأقلية، دعيت باسم «المدجنون» وهي تسمية للمسلمين الذين بقوا تحت الحكم المسيحي.
يشير أيضاً إلى أن الطراز المعماري – وهو دمج فريد بين الفنون الإسلامية والمسيحية – ساد في مدريد حتى القرن السادس عشر، ما يدل على استمرار تأثير الحرفيين والعمال المسلمين، ويسلط الضوء على بقاء المسلمين في أحيائهم القديمة، وخاصة «حي المورية» حيث استمروا في ممارسة حياتهم وتقاليدهم، حتى بعد تحولهم القسري إلى المسيحية، ليصبحوا «الموريسكيين» في القرن السادس عشر، ثم طردهم لاحقاً.
يبحث المؤلف في المعالم الأثرية التي نجت من التدمير أو التحويل، مشيراً إلى أن عمليات الطمس لم تكن تدميراً مادياً فحسب، بل كانت تطهيراً عرقياً وثقافياً يهدف إلى محو أي ذكر لأصل المدينة، ويوضح أن اسم أهم كنيسة في المدينة «كاتدرائية نويسترا سينيورا دي لا ألمودينا» هو في الأصل تصحيف للاسم العربي «المُدَيْنَة» وهي القلعة التي كانت مركزاً للحكم الإسلامي في مجريط، هذا التحول اللغوي والديني دليل مادي على استبدال الهوية دون تغيير الأساس الجغرافي.

*ضوء


دانيال خيل بني أمية هو أستاذ الدراسات العربية والإسلامية، يهتم بدراسة التاريخ والأحداث الجارية للمجتمعات الإسلامية في أوروبا وإسبانيا، وتحديداً فيما يتصل بعمليات تكوين الهوية، وهو إسباني الأب والأم، ولد في المغرب ودرس فقه اللغة العربية والدراسات الإسلامية في البيت العربي في مدريد، ويعمل حالياً أستاذاً لتاريخ الأندلس في جامعة كومبلوتسي بمدريد.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة