يخوض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مواجهة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ليضيف خصماً جديداً إلى لائحة خصومه في الشرق الأوسط، في خضم معركة انتخابية صعبة قبل الانتخابات التشريعية في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.
وقد تندرج المواجهة الجديدة في إطار تعبئة القاعدة الشعبية لنتنياهو قبل الانتخابات. واستهدفت غارات جوية إسرائيلية الثلاثاء مطاراً عسكرياً في شمال غرب سوريا قرب الحدود مع تركيا.
وفي أعقاب ذلك، قال نتنياهو إنّ الدولة العبرية وجّهت رسالة إلى تركيا تحذّرها من إقامة قاعدة في سوريا، مقراً بذلك بشن ضربة. وأضاف: «لن نسمح بتمركز عسكري تركي يمتدّ جنوباً، لأنه يشكّل تهديداً لنا».
وأوضح، أن إسرائيل وجّهت في البداية رسالة «بعبارات عامة» تعارض فيها وجوداً عسكرياً تركياً في قاعدة أبو الظهور الجوية قرب حلب. وأضاف: «على ما يبدو، لم يسمعوا ذلك، لذا حرصنا على أن يفهموه بصورة أوضح».
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الخميس، إن أردوغان يجرّ بلاده إلى «مغامرات خطرة» في سوريا، مؤكداً أن إسرائيل «لن نسمح لأي جهة بتهديد أمنها».
وكان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أكد في مقابلة مع موقع «أكسيوس» الأربعاء، أنه أوضح لإسرائيل أن الحكومة السورية «لا تعمل مع تركيا على إقامة وجود عسكري في القاعدة الجوية، لكن إسرائيل هاجمت الموقع».
وأقرّ بأنّ ضباطاً أتراكاً زاروا القاعدة قبل أيام من الضربة الإسرائيلية، لكنه شدّد على أن ذلك كان جزءاً من «التعاون العسكري المستمرّ في مجالات التدريب وتبادل الخبرات».
علاقة معقّدة
مع اقتراب موعد الانتخابات المقرّرة في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، نشرت حملة نتنياهو الانتخابية لوحات إعلانية تحمل صوراً لعدد من القادة في العالم، من بينهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مرفقة بتعليق: «هؤلاء يريدون أن يخسر نتنياهو».
ويشوب التوتر علاقة أنقرة مع إسرائيل منذ سنوات، خاصة بعد الحرب الإسرائيلية على غزة، والنشاط العسكري الإسرائيلي في سوريا منذ إطاحة الرئيس السابق بشار الأسد أواخر 2024.
ولكن على عكس دول أخرى هاجمتها إسرائيل، مثل إيران، تتمتع تركيا بحلفاء أقوياء؛ فهي عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بينما تربط أردوغان علاقة ودية بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي حمّل سفيره في أنقرة إسرائيل مسؤولية الهجوم ودانه.
وكانت تركيا أول دولة مسلمة تعترف بإسرائيل، كما ربطت البلدين علاقات تجارية قوية، قبل أن تعلن تركيا خلال حرب غزة أنّها ستوقف التبادلات التجارية مع الدولة العبرية.
ووصف يائير جولان، زعيم حزب الديمقراطيين المعارض الذي ينتمي ليسار الوسط في إسرائيل، الهجوم في سوريا بأنّه «استفزازي وخطر»، محذّراً من أنّه «يقرّبنا من المواجهة مع تركيا، ويعمّق الخلاف مع حلفائنا، وعلى رأسهم الولايات المتحدة».
وأضاف: «مرة أخرى، يتمّ استخدام القوة العسكرية لاعتبارات سياسية، ومرة أخرى تدفع إسرائيل الثمن على المستوى الأمني».
شكوك تجاه أردوغان
ويواجه أردوغا الكثير من الانتقادات الإسرائيلية من خارج دائرة رئيس الحكومة. وكان رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي ينتمي ليمين الوسط اتهم نتنياهو في وقت سابق من هذا العام بتجاهل «التهديد التركي الجديد» عبر التركيز فقط على إيران.
وتقول غاليا ليندنشتراوس، الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب: «هناك مخاوف من أن تسمح تركيا للجماعات المسلّحة بالعمل داخل سوريا، الأمر الذي قد يشكّل في المستقبل تهديداً لإسرائيل».
لكنها تشير إلى أنّ إسرائيل، التي أنشأت ما تقول إنّها منطقة أمنية في جنوب سوريا، تقرّ عامة بوجود مصالح تركية في الشمال السوري. وتتابع ليندنشتراوس: إن نتنياهو «يستخدم ورقة معاداة تركيا. أعتقد أنّه يرى ذلك كشيء يمكن أن يوحّد قاعدته حوله».
وتقول غونول تول، الباحثة في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، إنّ نتنياهو يواجه اتهامات من المعارضة بأنّه لم يحقق أهداف حروبه العديدة، مثل إسقاط الحكم في إيران أو تدمير حركة «حماس» في غزة.
وتضيف أنّه على الرغم من أن أردوغان لديه الكثير من المنتقدين في الولايات المتحدة، إلا أنّ أي عمل مباشر آخر ضد تركيا قد يُظهر نتنياهو هناك على أنّه «زعيم متهوّر يفعل أي شيء للتشبث بالسلطة».
وتابعت: «أعتقد أنه يجب أن يفهم أنّ ذلك لن يكون في صالحه، لأن هناك أيضاً ورقة ترامب غير المتوقعة، ولا يمكن لنتنياهو الاعتماد على دعمه».
وتعتبر تول أنّ إنكار تركيا للاتهامات الإسرائيلية وسيلة لتهدئة التوترات، حيث نفت أنقرة أي وجود عسكري لقواتها في المطار السوري الذي قصفته إسرائيل.
سوريا في الوسط
ولطالما تمحورت مصالح تركيا في سوريا حول منع انتقال المقاتلين الأكراد الموجودين في شمال البلاد إلى مناطق أخرى.
ولكن أولويتها تكمن الآن في إنعاش الاقتصاد السوري حتى يتمكن اللاجئون السوريون لديها من العودة إلى بلادهم، وكذلك تعزيز العلاقة مع حليف إقليمي في وقت تتصدى فيه اليونان وقبرص وإسرائيل لتركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط، وفقاً لغونول تول.
ودعمت تركيا الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي أطاح مقاتلوه بالرئيس السابق بشار الأسد بعد حكم لعائلته استمرّ عقوداً.
ويقول ماهر التمران، الكاتب والباحث السياسي في دمشق، إنّ «التحدي الحقيقي» بالنسبة لسوريا «هو ألا تتحوّل إلى ساحة تتصارع فيها مشاريع الآخرين». ويضيف: «عليها أن تستثمر التنافس التركي- الإسرائيلي لاستعادة القرار السوري».
ويشير إلى أنّ «تركيا تريد سوريا موحدة وقادرة، بينما تريد إسرائيل سوريا مستقرة، ولكن ضمن سقف عسكري لا يسمح بظهور تهديد جديد. وهنا يلتقي الطرفان على استقرار سوريا، ويفترقان على تعريف معنى الاستقرار نفسه».