يعتمد الفنان التشكيلي، في أعماله المستلهمة من الطبيعة، على عناصر واقعية ومرئية لبناء المشهد، غير أنه ومن خلال رؤيته الفنية في تركيب وتجميع هذه العناصر داخل اللوحة، يحوّل المشهد إلى لغة رمزية تنبئ بما يثار في الداخل الإنساني من هواجس الزمان، وقلق المكان، وغموض الوجود.
هذا البناء المشهدي يرفع العمل إلى حالة وجدانية، حيث تتداخل الرؤية بالحس، ويتعانق الضوء مع الظل في رقصة بصرية تغري المتلقي بالغوص في أعماق المعنى، وهكذا، يجد المشاهد نفسه منجذباً إلى أعماق المشهد، فتتحول أمام ناظريه عناصر العمل الطبيعية إلى رموز تحمل في طياته سؤالاً وجودياً، فيصبح كل تفصيل وكأنه صدى لنبض إنساني خافت.
*ثنائية
في هذا العمل الفني الذي نتأمله للفنانة منى بن سلوم، بعنوان «مابين الظل والنور»، تجسيد لفكرة التوظيف الفني لعناصر الطبيعة بأسلوب فني مرهف، تنسج لنا فيه الفنانة مشهداً بصرياً دقيقاً يتعانق فيه الظل والنور، ليضع العمل المتلقي، ومنذ الوهلة الأولى، أمام ثنائية كونية تشي في رمزيتها عن رحلة المعنى، لتتشكل أمامه مسافات لونية تتحرك فيه العين، فيبصر في كل شعاع نور لحظة تجلّ، توقد أمامه سؤالاً، ثم يجد في كل انعكاسة ظل أجابة لما يشغل نفسه.
الفنانة التشكيلية منى بن سلوم
الفنانة هنا استطاعت تجاوز حد الدمج للعنصر ومقابله، فحوّلت ثنائية الضوء والظل إلى لحن بصري دقيق، كنبض القلب في لحظة تأمل وجدانية، فالضوء والظل كلاهما عنصر فاعل في صناعة المعنى، لذلك تبدو الغابة في العمل وكأنها حالة مستمرة من التحول، هناك مناطق مضيئة تدعو العين إلى الاقتراب، وأخرى أكثر كثافة وغموضاً تدفعها إلى التراجع والتأمل، ومن هنا تأتي جمالية الفكرة الرمزية لعناصر الطبيعة، جذوع الأشجار تمثل حضوراً للثوابت والإصالة والقيم، بينما الضوء يرمز هنا إلى الانكشاف والحياة والتنوير والوعي، فيما يحضر الظل في المقابل بمعنى الخفاء والذاكرة والمجهول.
اعتمدت الفنانة منى في تركيب المشهد، على حضور الأشجار العمودية وهي العنصر الأكثر وضوحا وهيمنة في المشهد، حيث تتوزع امتداد المساحة، وتختلف في أحجامها ودرجات قربها وبعدها، بما يبتعد بالتكوين من التحول إلى صف هندسي منتظم، ومع ذلك فإن التكرار الرأسي للجذوع يمنح اللوحة شيئاً من الإيقاع البصري، فتتحرك العين من جذع إلى آخر، ثم تنتقل إلى الفراغات الواقعة بينها، فتكتشف أن الفراغ نفسه أصبح جزءاً من البناء التشكيلي، ثم تنجذب العين إلى تلك الخطوط الضوئية التي تمر بين الأشجار، لتكسر من خلالها الفنانة حدّة سيطرة الخطوط الرأسية للجذوع، هذه الخطوط الضوئية تمنح المشهد حركة حيوية للعمل، كما تخلق توازناً بين صرامة الأشجار ونعومة الضوء، وتقود العين من منطقة إلى أخرى، كأنها ممرات بصرية داخل الغابة.
* رمزية
في أقصى يمين المشهد، يظهر«غزال» يقف في الخلفية بين الأشجار، والمميز والذكي في رؤية الفنانة هنا في وجود هذا العنصر الحي، وبحجم محدود مقارنة بالأشجار، لتضاعف من خلاله الإحساس باتساع المكان، فضلاً عمّا يمكن أن يحمله من دلالة رمزية مرتبطة بالحرية والهشاشة، والوجود العابر داخل الطبيعة، والأهم أن الفنانة لم تجعله عنصراً مركزاً تقع عليه العين، ولكنها أبقته في الهامش، بحيث يكتشفه المتلقي أثناء التجول بعينه في تفاصيل اللوحة، فيتحول العثور عليه إلى جزء من تجربة المشاهدة نفسها.
أما من ناحية الرؤية اللونية، فيجد المتأمل للوحة نفسه أمام حوار من نوع آخر يسهم في حالته الوجدانية المرتبطة بالعمل، إذ تقوم اللوحة على تضاد لوني مدروس بدقة بين الأزرق والأخضر من جهة، والبني وخيوط الشعاع الذهبي في جذوع الأشجار، من جهة أخرى، وهذا التضاد هو أحد المفاتيح الأساسية لفهم العمل، فاللون الأزرق الحاضر في الخلفية والمناطق الظليلة، يمنح الغابة إحساساً بالعمق والبرودة والسكينة، أما الذهبي فيضيف إلى هذا العالم مسحة أكثر شفافية وحيوية، ويجعل الضوء يبدو كأنه ينتشر في الهواء نفسه.
ومن خلال هذه العناصر الفنية، يجد المتلقي نفسه أمام عمل يقدم معناه موزعاً على مراحل، في النظرة الأولى تفرض الألوان حضورها، ثم تبدأ العين باكتشاف الأشجار والضوء، وبعدها تتجه إلى العمق، وتلتقط التفاصيل الصغيرة، هذا النوع من البناء يجعل المشاهد شريكا في استنباط المعنى.