الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
التافهة تتحول إلى قضايا رأي عام بسبب «الترند»

مواقع التواصل.. أكاذيب تُنشر بضغطة زر

23 أغسطس 2026 00:30 صباحًا | آخر تحديث: 23 أغسطس 00:36 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
مواقع التواصل.. أكاذيب تُنشر بضغطة زر
icon الخلاصة icon
الترند يحوّل التافه لرأي عام؛ انتشار الشائعات بسبب غياب التحقق وضعف التفكير النقدي؛ الحل: وعي رقمي ومصادر موثوقة وتريث قبل النشر
تحقيق: جيهان شعيب
في زمنٍ تتسارع فيه المعلومة، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة على مصراعيها، تعج بالغث من الأفكار غير المبنية على علم، والأقوال التي لا تستند إلى دليل، والرؤى القاصرة، وتكمن الخطورة هنا في سرعة تصديق هذا القول أو الطرح، والانسياق وراءه دون تحقق لاستبيان المصداقية، وتحري الفائدة من عدمها، أو بناء وعي لا يقوم على الهلوسات أو الاضطرابات المعرفية والخيالات العلمية.
تفتح سرعة تصديق معظم ما يرد على مواقع التواصل باب النقاش حول سبب غياب التفكير السليم عن بعض العقول، وهو سلوك أرجعه الخبراء والمتخصصون إلى غياب ثقافة التحقق، وضعف مهارات التفكير النقدي.

غياب التحقق

المؤسف، في ضوء الفضاء المفتوح، انقلاب أوجه الحقيقة في كثير من الأمور الحياتية إلى عكسها عبر الأطروحات التي تحول الصواب إلى خطأ، وغياب التمييز بين ما يمكن قبوله وما يستوجب الإهمال وعدم الالتفات إليه من الأساس.
وأكد محمد أحمد الظهوري، عضو المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة، أن أخطر ما نواجهه اليوم ليس كثرة المعلومات، بل سهولة تصديقها وكأنها حقيقة مُسلّم بها، فبمجرد نشر رأي على مواقع التواصل تتشكل موجة سريعة من التأييد أو الرفض، يقودها الانطباع والتأثر لا المعرفة والوعي.
محمد الظهوري
محمد الظهوري
وأرجع هذا السلوك إلى غياب ثقافة التحقق، وضعف مهارات التفكير النقدي، وعدم التمييز بين المعلومة الموثوقة والشائعة، والانسياق وراء حملات الهجوم أو الترويج، دون التساؤل عمن كتب ولماذا، وما مصدر هذه المعلومات ومدى صحتها؟
كما عبر عن أسفه على تحول بعض القضايا التافهة إلى رأي عام، يُبنى على تكرار الكلام لا صحته، فتُهدم سمعة منتجات أو أشخاص، أو تُرفع أخرى دون وجه حق، فقط لأن «الترند» قال ذلك، والمسؤولية هنا لا تقع على المستخدمين فحسب، بل تمتد إلى كل من يساهم في صناعة المحتوى.

أولوية ثانوية

ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير في تشكيل الرأي العام، وأصبحت مصدراً رئيسياً للمعلومات لدى كثير من الناس، وهو ما لفتت إليه الإعلامية ريم محمد البريكي، وقالت إنه مع سرعة تداول المحتوى وسهولة الوصول إليها بات البعض يصدق الأخبار والشائعات دون التحقق من صحتها، خاصة إذا توافقت مع قناعاته وآرائه المسبقة، كما ساهم وجود حسابات مجهولة المصدر ومحتوى يهدف إلى جذب التفاعل والمشاهدات في انتشار المعلومات المضللة.
ريم البريكي
ريم البريكي
وأوضحت أن للعوامل النفسية والاجتماعية دوراً مهماً في ذلك، حيث ينجذب الأفراد إلى المحتوى المثير للجدل، أو الذي يحقق لهم التسلية.

مصدر للأخبار

أصبحت مواقع التواصل من أكثر الوسائل تأثيراً في تشكيل آراء الناس واتجاهاتهم، حيث تحولت إلى مصدر يومي للأخبار والمواقف، ونوهت أمل بدر، أستاذة الإعلام في جامعة عجمان، بأن خطورة ذلك تتمثل في تعامل بعض المستخدمين مع ما ينشر بوصفه حقيقة مؤكدة، دون تحقق من المصدر أو السياق.
وعللت سرعة انتشار كثير من الشائعات، بصياغتها بلغة مثيرة، أو إرفاقها بصور ومقاطع مجتزأة، أو تكرارها عبر حسابات متعددة، فيظن المتلقي أنها صحيحة، إضافة إلى بعض العوامل النفسية والاجتماعية التي ترسخ الظاهرة، مثل الميل إلى تصديق ما يوافق القناعات السابقة، والرغبة في الانتماء إلى رأي جماعي، والثقة في الأصدقاء أو المؤثرين أكثر من المؤسسات المختصة، مع تراجع التفكير النقدي.

عوامل مؤثرة

دفع إيقاع الحياة السريع الكثيرين إلى تلقي المعلومة أكثر من البحث عنها، في ضوء سهولة الوصول إليها، وأوضحت الكاتبة أسماء بنت ربيع المنهالي، أنه كلما أصبحت المعلومة أسرع تقلصت مساحة التفكير والتحقق، ولهذا تنتشر بعض الشائعات بسرعة.
وبينت أن من أبرز العوامل النفسية والاجتماعية لتبني أفكار أو معلومات غير موثوقة هي الرغبة في الانتماء والخوف من فوات الأحداث أو النقاشات الدائرة، وهو ما يُعرف بظاهرة «الفومو»، حيث لا يرغب الإنسان بطبيعته في أن يكون خارج دائرة المعرفة أو الحديث العام، ما يدفعه أحياناً إلى تبني بعض الآراء، أو إعادة نشر بعض المعلومات قبل التحقق منها.

نقاط واقعية

من جانبه أوجز الخبير التقني المتخصص في مواقع التواصل الاجتماعي، عبد النور سامي، رأيه في نقاط واقعية، تتمثل في حاجة المحتوى الإيجابي إلى مجهود لصناعته، حيث يحافظ القائمون عليه دائماً على أعلى مستويات الاحترافية، باحترام حقوق الملكية الفكرية، ومراعاة جوانب الإعداد المحتوى، واحترام الذات.
عبد النور سامي
عبد النور سامي
في حين يعكس المحتوى السلبي شخصية من يقف خلفه، وهي فئة كبيرة من المستخدمين، وهذه الفئة لا تبالي بالمدخلات والمخرجات، وتنشر فيديوهات متداولة بشكل غير مسؤول.
وخلص إلى أن ذلك أحدث نوعاً من التطبيع، وقبول هذا المحتوى والبحث عنه، ما أثر في ظهور المحتوى الإيجابي، حيث إن الخوارزميات مصممة لإيصال المحتوى الأكثر قبولاً وتداولاً لا لرفع المحتويات الإيجابية، ما يحقق دخلاً أعلى ومعدلات مشاهدة أكثر، مؤكداً أن هذه التجاوزات تسهل باستخدام الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى تضاعف عدد صناع المحتوى بشكل مهول بعدما سهلت عليهم الأدوات الحديثة القيام بمهامهم.

حلول ممكنة

أجمع المتحدثون على مجموعة من الحلول الممكنة، حيث طالب محمد الظهوري بالرجوع إلى الجهات الرسمية والمصادر الموثوقة، وعدم الاعتماد على آراء مجهولة أو تجارب فردية منشورة على مواقع التواصل، مؤكداً أن بناء مجتمع واعٍ لا يبدأ من القوانين فقط، بل من الأفراد أنفسهم.
ومن جهتها، جزمت د. أمل بدر، بأن الوعي الرقمي والثقافة الإعلامية ضرورة أساسية، وليست رفاهية، لحماية الفرد من التضليل، وذلك بفحص مصدر المعلومة، ومراجعة الأدلة، والتمييز بين الخبر والرأي، وتجنب إعادة النشر قبل التأكد من صحة الخبر أو المعلومة.
د. أمل بدر
د. أمل بدر
أما ريم البريكي، بدورها، فشددت على أهمية التريث والاعتماد على المصادر الرسمية، كونهما من أهم وسائل الحماية من التضليل، وتعزيز الوعي المجتمعي، وسن تشريعات تحد من إساءة استخدام المنصات الرقمية، في ضوء التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي.

الوعي الرقمي ضرورة في عصر المعلومات

أكدت أسماء المنهالي أن الوعي الرقمي لم يعد مهارة إضافية، بل ضرورة في عصر تتداخل فيه الأخبار بالآراء، والحقائق بالانطباعات، ما يقتضي تعلم كيفية تقييم المصادر، والتمييز بين المعلومة والرأي، مبينة أن المسؤولية الرقمية لا تعني التشكيك في كل شيء، بل امتلاك القدرة على طرح الأسئلة المناسبة، والبحث عن أكثر من رواية، وعدم جعل عدد المشاهدات أو الإعجابات معياراً للمصداقية، مشيرة إلى أن بناء الوعي مسؤولية تشاركية بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية.
أسماء المنهالي
أسماء المنهالي

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة