شكلت صادرات أشباه الموصلات دفعة هائلة لرابع أكبر اقتصاد في آسيا، مما دفع إجمالي أرقام الصادرات إلى مستويات قياسية. غير أن هذه الوتيرة المحمومة تثير في حد ذاتها مخاوف بشأن ما قد يؤول إليه الوضع مستقبلاً.
فقد أفادت وزارة التجارة والصناعة والطاقة في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن صادرات أشباه الموصلات قفزت بنسبة 209% مقارنة بالعام السابق لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 46.65 مليار دولار في شهر أغسطس، وهو ما يمثل 47.5% من إجمالي صادرات البلاد من السلع البالغة قيمتها 98.25 مليار دولار في ذلك الشهر.
وأوضحت الوزارة أن هذا النمو يعزى في المقام الأول إلى الطلب المرتبط بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، حيث قامت شركات كبرى لخدمات الحوسبة السحابية - مثل «جوجل» و«أمازون» - بزيادة إنفاقها الرأسمالي.
وقال جيف نغ، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي لآسيا في مجموعة «سوميتومو ميتسوي» المصرفية لشبكة «سي إن بي سي»: «وفقاً لتقديراتي، شكلت صادرات أشباه الموصلات ما يقرب من 80% من نمو الصادرات في شهر أغسطس؛ إذ كان النمو الإجمالي للصادرات مدفوعاً بقطاعات الرقائق الإلكترونية وأجهزة الكمبيوتر وارتفاع أسعار المنتجات النفطية».
مؤشر إيجابي
وعادةً ما يُنظر إلى نمو هذه المؤشرات باعتباره أمراً إيجابياً، إلا أن الوتيرة السريعة للغاية تثير أيضاً مخاوف بشأن ما قد يحدث إذا -أو عندما- يبدأ هذا الانتعاش القوي في التراجع.
ويرى ديف شيا، الخبير الاقتصادي في مؤسسة «موديز أناليتيكس»، أن «التباطؤ التدريجي سيكون أمراً يمكن التعامل معه، لكن التوقف المفاجئ يمثل مسألة مختلفة تماماً؛ لأن الاقتصاد يعمل بالفعل بسرعتين متفاوتتين، والقطاعات التي يُفترض أن تعوض هذا التراجع هي نفسها التي تواجه ضغوطاً في الوقت الراهن».
كما قد تحد السياسة النقدية من قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات في حال تغيرت الدورة الاقتصادية قريباً؛ فقد رفع بنك كوريا المركزي سعر الفائدة الأساسي إلى 3% في شهر أغسطس - وهي ثاني زيادة متتالية - في ظل استمرار ارتفاع معدلات التضخم الأساسي.
المكاسب تتلاشى
وحذر شيا من أنه في حال تراجع الطلب على الرقائق الإلكترونية بالتزامن مع استمرار تشديد السياسة النقدية، فإن «المكاسب الاستثنائية ستتلاشى في ظل غياب طلب محلي قوي بما يكفي لتعويض هذا النقص».
وفي المقابل، تعاني قطاعات أخرى تقليدية؛ إذ انخفضت صادرات السيارات بنسبة 29.8% في أغسطس مقارنة بالعام السابق، وإن كانت وزارة التجارة قد عزَت جزءاً كبيراً من هذا التراجع إلى توقيت العطلات الصيفية والإضرابات الجزئية. كما أشار شيا إلى أن عوامل أخرى -مثل الرسوم الجمركية الأمريكية والتحول نحو الإنتاج في المصانع الأمريكية- تشكل أيضاً تحديات هيكلية أكثر استمراراً.
ومع ذلك، ذكر بنك كوريا المركزي في قراره المتعلق بالسياسة النقدية لشهر أغسطس أن وتيرة تعافي الاستهلاك تشهد تسارعاً تدريجياً. كما كشفت بيانات وزارة التجارة والصناعة والطاقة أن الصادرات غير المتعلقة بأشباه الموصلات ارتفعت بنسبة 20% في شهر أغسطس.
نمو الاقتصاد 2% - 3%
ويرى هومين لي، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي في البنك السويسري الخاص «لومبارد أودييه»، أنه حتى في حال تراجع الزخم في قطاع أشباه الموصلات مع استمرار الأداء الجيد للقطاعات الدورية الأخرى، فإن كوريا الجنوبية ستظل قادرة على الحفاظ على معدل نمو حقيقي سنوي يتراوح بين 2% و3%.
ولا تزال التوقعات الأساسية للمحللين على المدى القريب إيجابية أيضاً؛ إذ يتوقع «إنغ» (Ng) من بنك «إس إم بي سي» أن يظل النمو الإجمالي للصادرات إيجابياً خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، وإن كان من المحتمل أن يشهد تباطؤاً طفيفاً نتيجة لتأثيرات سنة الأساس واستقرار الأسعار.
وأشار «لي» إلى أن الطفرة التي شهدتها صادرات كوريا الجنوبية من أشباه الموصلات والتكنولوجيا كانت استثنائية بلا شك، لكنه استدرك قائلاً إنه لا يصف هذا الوضع بأنه «اعتماد مفرط»؛ نظراً لامتلاك البلاد قطاعات دورية أخرى تميل إلى تحقيق أداء جيد عندما يكون أداء الاقتصاد العالمي ككل قوياً.