المعجم التاريخي للغة العربية، هو في العمق معجم الأمة الذي يدون مفرداتها، ويوثق تطور كل كلمة بمعناها ودلالتها وسياق استخدامها وفضاء تداولها، وعندما نفتحه فنحن في الحقيقة لا نطل على اللغة وحسب، ولكننا نشاهد تاريخ العرب يتحرك أمامنا من خلال شعرهم ونثرهم، أيامهم وملاحمهم، أمثالهم وحكمهم، ومع كل هذا نشعر بآمالهم وطموحاتهم وأمنياتهم وما فكروا فيه، وما حلموا به..
ونظراً لفرادة المعجم في معناه ومبناه نقتبس منه في هذه الزاوية في كل أسبوع قبساً يضيء جانباً من روح الأمة التي يحق لها أن تفرح وتفخر بهذا المعجم.
سَدَفَ
يقال سَدَفَ(بِفَتْحِ الدّالِ) السَّحابُ ونَحْوُهُ يَسْدِفُ (بِكَسْرِ الدّالِ) سَدْفًا: أي اسْوَدَّ واشْتَدَّ قَتامَةً.
يقول كُثَيِّرُ عَزَّة يَصِفُ سَحابًا أَسْوَدَ:
خَفِيٌّ تَعَشّى في البِحارِ ودونَهُ
مِنَ اللُّجِّ خُضْرٌ مُظْلِماتٌ وسُدَّفُ
وفي العصر العباسي نجد أيضاً ذات المعنى في قول ابْنُ رَشيقٍ القَيْروانيُّ يَصِفُ رَوْضًا يَفوحُ بالمِسْكِ في ليْلَةٍ مَطِرَةٍ:
نَشْرُ الصَّبا بِأَريجِ المِسْكِ مُؤْتَنِفُ
أَمْ ريحَ بِالسَّفْحِ رَوْضٌ نَبْتُهُ أُنُفُ
ما زالَ تَسْتَرِقُ الأَنْداءُ نَفْحَتَهُ
واللَّيْلُ قَدْ هَلْهَلَتْ أَثْوابُهُ السُّدُفُ
ومن معاني «سَدَفَ أيضاً، عند قولنا: سَدَفَ فُلانٌ الحِجابَ ونَحْوَهُ: أي أَرْسَلَهُ وأَرْخاهُ».
يقول الأَعْشى الكَبيرُ يَتَغَزَّلُ:
ولَقَدْ ساءَها البَياضُ فَلَطَّتْ
بِحِجابٍ مِنْ دونِنا مَسْدوفِ
ومن معاني«سَدَفَ»، قولنا: سَدَفَ الشَّيْءَ: أي غَطّاهُ.
يقول سيدي مُحَمّد الآبييري في العصر الحديث، يَنْتَقِدُ بُعْدَ بَعْضِ المُسْلِمينَ عَنْ طَريقِ النَّبِيِّ وَصَحابَتِهِ:
هَيْهاتَ هَذا مِنْ طَريقِ مُحَمَّدٍ
وصِحابِهِ وقُفاتِهِ الكُرَماءِ
لَمْ تُمْسِكوا مِنْ دينِهِمْ إِلّا القَوا
عِدَ خَمْسَها مَسْدوفَةً بِرياءِ
و سَدِفَ (بِكَسْرِ الدّالِ) اللَّيْلُ يَسْدَفُ (بِفَتْحِ الدّالِ) سَدَفًا: أي أَظْلَمَ. فَهُوَ أَسْدَفُ وهِيَ سَدْفاءُ.
وقد استخدمت المفردة في عصر ما قبل الإسلام، فيقول الشَّنْفَرى يَفْخَرُ بِصُعودِهِ إِلى قِمَّةِ الجَبَلِ في ظَلامِ اللَّيْلِ:
ومَرقَبَةٍ عَنْقاءَ يَقْصُرُ دونَها
أَخو الضَّرْوَةِ الرِّجْلُ الحَفِيُّ المُخَفَّفُ
نَعَبْتُ إِلى أَعْلى ذُراها وقَدْ دَنا
مِنَ اللَّيْلِ مُلْتَفُّ الحَديَقَةِ أَسْدَفُ
وفي العصر العباسي استمر المعنى والدلالة ومن ذلك قول الشّاعِرُ من شَواهِدِ صَدَقَةَ المَقابِرِيِّ، يَرْثي أَبا حَنيفَةَ النُّعْمانَ:
ذَهَبَ الفِقْهُ فَلا فِقْهَ لَكُمْ
فَاتَّقوا اللهَ وكونوا خَلَفا
ماتَ نُعْمانُ فَمَنْ هَذا الَّذي
يُحْيي اللَّيْلَ إِذا ما سَدِفا
انْفَهَق
تعتبر هذه المفردة من المفردات العابرة للعصور، حتى أنها تستخدم في بعض اللهجات العربية البدوية حتى عصرنا الحالي
ويقال انْفَهَقَ الشَّيْءُ: أي بمعنى اتَّسَعَ.
وقد وردت المفردة في عصر ما قبل الإسلام، في شواهد عديدة منها قول المُثَقِّبُ العَبْدِيُّ يَذْكُرُ ناقَتَهُ:
في لاحِبٍ تَعْزِفُ جِنّانُهُ
مُنْفَهِقِ القَفْرَةِ كَالبُرْجُدِ
كما استمرت المفردة تؤدي المعنى نفسه في العصر الإسلامي، ومن ذلك شاهد في حديث النَّبِيُّ يَذْكُرُ آخِرَ أَهْلِ النّارِ دُخولًا الجَنّةَ:
«فَإذا قامَ إلى بابِ الجَنّةِ انْفَهَقَتْ لَهُ الجَنّةُ».
وأيضاً قول عَلِيُّ بْنُ أَبي طالِبٍ يَتَحَدَّثُ عَنِ الرِّياحِ وأثَرِها في السَّحابِ:
«مَخَضَتْهُ مَخْضَ السِّقاءِ، وعَصَفَتْ بِهِ عَصْفَها بِالفَضاءِ، تَرُدُّ أوَّلَهُ على آخِرِهِ، وساجِيَهُ على مائرِهِ، حَتّى عَبَّ عُبابُهُ، ورَمى بِالزَّبَدِ رُكامُهُ، فرَفَعَهُ في هَواءٍ مُنْفَتِقٍ، وجَوٍّ مُنْفَهِقٍ، فسَوّى مِنْهُ سَبْعَ سَماواتٍ».
ونجد في العصر العباسي أيضاً شاهداً في قول رُؤْبَةُ بنُ العَجّاجِ يَصِفُ مَفازةً:
وانْشَقَّ عَنْها صَحْصَحانُ المُنْفَهِقْ
لَمْ تَخْشَ عِنْدي قَطُّ ما إِلّا السَّنَقْ
فالرِّسْلُ دَرٌّ والإناءُ مُنْفَهِقْ
فَلَقَ
هذه المفردة أيضاً من المفردات العربية التي حافظت على حضورها في المشهد اللغوي على مر العصور حتى اليوم، ويقال فَلَقَ فُلانٌ الشَّيْءَ: أي قَسَمَهُ وحَطَّمَهُ.
وقد وردت في عصر ما قبل الإسلام، وعلى ذلك شاهد في قول خِداشٌ العامِرِيُّ يَمْدَحُ قُرَيْشًا يَوْمَ عُكاظٍ:
وكانَتْ قُرَيْشٌ يَفْلِقُ الصَّخْرَ حَدُّها
إِذا أَوْهَنَ النّاسَ الجُدودُ العَواثِرُ
واستمر المعنى أيضاً في العصر الإسلامي، كما في قول عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنينَ في حادِثَةِ الإِفْكِ:
«قَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ ويَوْمًا لا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ولا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ، وأَبَوايَ يَظُنّانِ أَنَّ البُكاءَ فالِقٌ كَبِدي».
كما حافظت المفردة على حضورها في العصر العباسي العباسي، ويقول عنها الخَليلُ بْنُ أَحْمَدَ في كتابه العين:
«فَلَقْتُ الفُسْتُقَةَ فانْفَلَقَتْ». (وهَذِهِ الدَّلالَةُ سَجَّلَتْها المَعاجِمُ في بَقِيَّةِ العُصورِ)
ونجد استمرار المفردة في العصر الحديث وعلى ذلك شاهد في قول إبْراهيمُ الأُسْكوبيُّ في مُفاخَرَةٍ بَيْنَ وابورِ البَرِّ ووابورِ البَحْرِ:
رُدَّ جَوابًا يَفْلِقُ الصَّخْرَ الأَصَمْ
بالحَقِّ في تَعْبيرِهِ لا بالعِظَمْ