تدخل أسهم الإمارات الربع الأخير من عام 2026 مدعومة بقوة أرباح الشركات وجاذبية تقييمات عدد من الأسهم، في وقت يرى فيه محللون أن التراجعات السابقة خلقت فرصاً انتقائية للمستثمرين، رغم استمرار المخاطر الجيوسياسية وضغوط أسعار الفائدة الأمريكية.
ويترقب المستثمرون موسم النتائج المقبل لتأكيد متانة الأساسيات وقدرة الشركات على مواصلة النمو، فيما قد يشكل انحسار التوترات الإقليمية محفزاً إضافياً لتعافي الأسواق.
تعكس هذه الرؤية مزيجاً من التفاؤل والحذر، إذ يرى الخبراء أن قوة الاقتصاد المحلي ومرونة الشركات تمنح الأسواق الإماراتية قدرة على التعامل مع حالة عدم اليقين، إلا أن استمرار التوترات قد يبقي المكاسب محدودة وانتقائية، مع تركيز السيولة على الأسهم الأكثر قوة من حيث الأرباح والميزانيات والتدفقات النقدية.
فيجاي فاليشا
قالت نغم حسن، محللة الأسواق في «إيتورو»، إن أداء الأسهم الإماراتية خلال الربع الأخير سيعتمد بدرجة كبيرة على مسار الأوضاع الجيوسياسية، مشيرة إلى أن مقومات التعافي موجودة في حال انحسار مسببات الصراع. وأوضحت أن موجة البيع التي شهدتها الأسواق في فبراير لم تكن نتيجة ضعف أداء الشركات، وإنما جاءت بفعل حرب الشرق الاوسط، وبالتالي فإن تغير مسببات التراجع يمكن أن يؤدي إلى تغير اتجاه السوق.
وأضافت أن نتائج النصف الأول من العام تدعم هذه النظرة، إذ واصلت معظم الشركات المدرجة تحقيق النمو، فيما تركز التأثر بشكل أساسي في الشركات ذات الانكشاف المباشر على الصراع والاضطرابات المرتبطة به.
وفي حال استمرار التوترات، تتوقع نغم أن تظل المكاسب انتقائية بدلاً من أن تشمل السوق بأكمله، مع توجه المستثمرين إلى الأسهم الأقل تعرضاً للتطورات الجيوسياسية.
وترى أن المستثمرين أصبحوا أكثر احتساباً للمخاطر، في الوقت الذي ينظرون فيه إلى المستقبل ويدركون أن الصراعات لا تستمر إلى الأبد، وهو ما يدفعهم إلى إعطاء وزن أكبر للأساسيات مقارنة بالتحركات قصيرة الأجل التي تحركها عناوين الأخبار.
اقتصاد متماسك
من جانبه، قال فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في «سنشري فاينانشال»، إن أسواق الأسهم الإماراتية تدخل الربع الرابع بآفاق تفاؤلية مشوبة بالحذر، مع ترجيحات باستمرار مستويات التقلب المرتفعة.
نغم حسن
وأشار إلى أن مؤشر سوق دبي المالي العام سجل حتى الثاني من سبتمبر تراجعاً بنسبة 3.5% منذ بداية العام، بينما استقر مؤشر سوق أبوظبي بصورة شبه متوازنة عند انخفاض 0.2%، بما يعكس قدرة الأسواق الإماراتية على استيعاب حالة عدم اليقين الإقليمي دون التراجع إلى مستويات حرجة.
ويستمد السوق دعمه، وفق فاليشا، من قوة الاقتصاد المحلي، إذ تعافى مؤشر مديري المشتريات للقطاع غير النفطي في الإمارات إلى 52.7 نقطة في يوليو، مقابل 50.8 نقطة في يونيو، بالتزامن مع قفزة في الطلبيات الجديدة إلى أعلى مستوى لها في خمسة أشهر.
وتشير هذه البيانات إلى تحسن النشاط التشغيلي الأساسي للشركات، بما يوفر قاعدة داعمة للأرباح خلال الفترة المقبلة.
الأرباح شبكة أمان
ويتفق المحللون على أن نتائج الشركات ستظل أحد أبرز عوامل دعم الأسهم الإماراتية خلال الربع الأخير، وإن كانت الأرباح وحدها لن تكون كافية بالضرورة لتحريك السوق بأكمله.
وفي هذا السياق، قالت نغم إن موجة البيع لم تكن ناتجة عن ضعف الأرباح، ولذلك فإن النتائج القوية لن تكون وحدها كافية لعكس اتجاه السوق، لكنها يمكن أن تؤكد أن التأثير السلبي للاضطرابات ظل محصوراً في الشركات الأكثر انكشافاً عليها.
وأضافت أن الربع الثاني ربما حمل التأثير الأكبر للاضطرابات، ما يعني أن الشركات الأكثر تعرضاً لها تبدأ الآن من قاعدة منخفضة، وبالتالي فإن أي تحسن في الظروف قد ينعكس سريعاً على نتائجها.
وفي المقابل، استفادت شركات أخرى من الاضطرابات نفسها، ولا سيما الشركات المرتبطة بالشحن والتأجير، التي شهدت ارتفاعاً في الأسعار والعوائد.
ويبرز القطاع المصرفي باعتباره أحد أهم مصادر قوة الأرباح في السوق الإماراتية. وأشار فاليشا إلى ارتفاع صافي أرباح بنك أبوظبي الأول خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 1% إلى 10.73 مليار درهم، بالتوازي مع نمو الإيرادات التشغيلية بنسبة 7% إلى 19.5 مليار درهم.
كما قفزت أرباح بنك أبوظبي التجاري قبل الضريبة خلال النصف الأول بنسبة 28% إلى 7.61 مليار درهم.
وتؤكد هذه النتائج، بحسب التحليل، مرونة الأرباح التشغيلية للقطاع المصرفي وقدرته على مواصلة دعم الأسواق رغم الضغوط الخارجية.
وخارج القطاع المالي، سجلت دبي للاستثمارات نمواً قوياً، إذ ارتفع صافي أرباحها خلال الربع الثاني بنسبة 42.2% على أساس سنوي إلى 471 مليون درهم، متجاوزاً التوقعات.
الفائدة الأمريكية
في المقابل، تبقى السياسة النقدية الأمريكية أحد أبرز مصادر المخاطر خلال الربع الأخير، خصوصاً مع استمرار حساسية الأسواق الإماراتية لتحركات أسعار الفائدة الأمريكية نتيجة ارتباط الدرهم بالدولار.
وأوضح فاليشا أن ارتفاع أسعار الفائدة والعوائد الأمريكية ينعكس على الأوضاع المالية المحلية من خلال ارتفاع تكاليف الاقتراض، فضلاً عن الضغط على تقييمات الأسهم، خصوصاً الشركات العقارية ذات المديونية المرتفعة.
في المقابل، يمكن أن تستفيد البنوك من ارتفاع الفائدة من خلال دعم صافي دخل الفوائد.
ومن هنا، رجح فاليشا أن يتجه المستثمرون إلى استراتيجية أكثر انتقائية، مع أفضلية للبنوك والشركات التي تتمتع بميزانيات قوية وتدفقات نقدية مستقرة، إلى جانب الشركات المرتبطة بمسار النمو المحلي.
وفي موازاة قوة النتائج، شهد عدد من الأسهم الإماراتية خلال الفترة الأخيرة مراجعات إيجابية وتوصيات بالشراء، وهو ما يعكس اعتقاداً لدى مؤسسات مالية بأن التراجعات الأخيرة خلقت فجوة بين أسعار بعض الأسهم والأساسيات التشغيلية للشركات.
وقالت نغم إن قوة الأرباح رغم الصراع عززت ثقة المستثمرين في الشركات وقدرتها على إدارة أعمالها ومواصلة النمو خلال فترة صعبة.
وترى أن انخفاض أسعار الأسهم في الوقت الذي واصلت فيه الأرباح النمو قد يُنظر إليه باعتباره فرصة استثمارية، بدلاً من اعتباره إشارة إلى ضعف هيكلي في الشركات.
إعمار والدار
وفي القطاع العقاري، حافظت «إف أيه بي سيكيوريتيز» على توصيات الشراء لأسهم إعمار العقارية، وإعمار للتطوير، والدار العقارية.
وتبرز إعمار العقارية ضمن الأسهم التي تستند النظرة الإيجابية تجاهها إلى قوة المبيعات المؤجلة، التي بلغت 164.9 مليار درهم، بما يوفر رؤية واضحة للإيرادات المستقبلية.
كما حظيت إعمار للتطوير بتوصية شراء، مدعومة بمبيعات مؤجلة بلغت 127.7 مليار درهم، ونسبة بيع بلغت 94% من الوحدات قيد الإنشاء.
أما الدار العقارية، فتستند جاذبيتها إلى مبيعات مؤجلة بلغت 71.6 مليار درهم، إلى جانب قوة مركزها المالي.
كما أبقت مؤسسات ألفا مينا وسيتي بنك وإتش إس بي سي على توصيات الشراء لسهم إعمار.
الانتقاء عنوان المرحلة
وبصورة عامة، تشير آراء الخبراء إلى أن الأسهم الإماراتية تدخل الربع الأخير وهي تمتلك قاعدة أساسية متينة، مدعومة بقوة الأرباح، وتماسك الاقتصاد المحلي، ومتانة القطاع المصرفي، واستمرار النشاط العقاري، إلى جانب جاذبية تقييمات عدد من الأسهم.
لكن الاتجاه العام للسوق سيظل رهناً بمسارين رئيسيين: التطورات الجيوسياسية من جهة، ومسار أسعار الفائدة والعوائد الأمريكية من جهة أخرى.
البنوك والطاقة
في القطاع المصرفي، رفع بنك أوف أمريكا تقييمه لسهم بنك أبوظبي الأول إلى «شراء»، وأكد توصيات الشراء لبنك أبوظبي الإسلامي وبنك الإمارات دبي الوطني، مستنداً إلى توقعات نمو ربحية السهم والعوائد القوية على حقوق الملكية، إلى جانب تقييمات يرى أنها لا تعكس كامل القدرات الربحية للبنوك.
وفي قطاع الطاقة، بدأت غولد مان ساكس تغطيتها لسهم أدنوك للغاز بتوصية «شراء»، مدعومة باستقرار مبيعات الغاز المحلية. كما صدرت توصيات إيجابية لأسهم أدنوك للحفر وأدنوك للتوزيع وبروج، بدعم التدفقات النقدية الموثوقة ووضوح سياسات توزيعات الأرباح والدور المحوري لهذه الشركات ضمن سلسلة القيمة لمجموعة أدنوك.