الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
سرديّة الأرض المنهوبة والتكنولوجيا الجائعة

عناصر القوة

6 سبتمبر 2026 01:56 صباحًا | آخر تحديث: 6 سبتمبر 02:10 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
عناصر القوة
icon الخلاصة icon
كتاب يكشف سلاسل توريد معادن البطاريات: استغلال وتلوث وصراع نفوذ بين الصين والغرب، وتحول القوة من النفط إلى الليثيوم
تأليف: نيكولاس نيارخوس
عرض وترجمة: عبدالله ميزر
في مكان بعيد عن صخب المدن، داخل فجوات عميقة في الأرض، تبدأ قصة العالم المعاصر. هناك، حيث يعمل رجال وأطفال في ظروف قاسية، تُستخرج مواد صغيرة الحجم عظيمة الأثر، تتحول لاحقاً إلى طاقة تُشغّل الهواتف والسيارات، وتدير اقتصاداً كاملاً. من تلك النقطة المعتمة، يمتد خيط طويل يصل إلى أكثر المراكز تقدماً في التكنولوجيا والصناعة، في مسار يكشف كيف تنتقل القوة من باطن الأرض إلى أعلى هرم الاقتصاد العالمي، وكيف تصبح المادة الخام التي لا تُرى في حياة الناس اليومية، أحد أعمدة النظام الدولي.
يقدّم كتاب «عناصر القوة: حكاية الحرب والتكنولوجيا وأقذر سلاسل التوريد على وجه الأرض»، للصحفي نيكولاس نيارخوس، قراءة واسعة لهذا العالم الخفي، حيث يتتبع مسار المعادن التي أصبحت أساس التحول نحو الطاقة الحديثة، ويكشف ترابط حياة أفراد في مناطق فقيرة مع حاجات دول صناعية كبرى، ضمن شبكة تتداخل فيها المصالح، والسياسة، والتكنولوجيا، وتُعاد عبرها صياغة علاقات القوة والهيمنة.
في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تتجسد المفارقة بأوضح صورها. أرض تختزن كميات هائلة من المعادن الحيوية، وسكان يعيشون على هامش هذه الثروة. في المناجم، ينزل العمال إلى أعماق خطرة، يستخدمون أدوات بسيطة، ويخرجون مواد تدخل لاحقاً في صناعات متقدمة. هذه الصورة تمتد أيضاً إلى إندونيسيا وأمريكا الجنوبية، حيث تتغير ملامح البيئة مع توسع مشاريع التعدين، وتتبدل أنماط الحياة بفعل تدفق الاستثمارات. في هذه المناطق، تتأثر البحار والهواء، وتتحرك المجتمعات تحت ضغط التحولات الاقتصادية، فيما تتقدم الشركات الكبرى والحكومات لرسم معادلة جديدة بين الموارد والسلطة.

الجغرافيا الخفية للقوة

في هذا السياق، يبرز التنافس بين القوى الكبرى في السيطرة على هذه الموارد لكونه أحد أبرز ملامح المرحلة. الصين استثمرت على مدى سنوات طويلة في المناجم والبنية التحتية، ما منحها موقعاً متقدماً في سلاسل التوريد العالمية، بينما تتحرك الولايات المتحدة عبر سياسات واستثمارات تهدف إلى تعزيز حضورها في هذا المجال. المعادن هنا أصبحت أدوات نفوذ تدخل في صميم الحسابات الاستراتيجية، وتعيد تشكيل موازين القوة على المستوى الدولي.
عناصر القوة
يبيّن الكتاب أن بطاريات الليثيوم-أيون تقف في قلب هذا التحول، ويقول: «هذه التقنية جعلت العالم الحديث ممكناً»، ويشير إلى أن تفاصيل الحياة اليومية، من الهواتف الذكية إلى المركبات الكهربائية، ترتبط بهذه الطاقة المختزنة. ويقول أيضاً: «تطوّر الأجهزة يعمّق الاعتماد على البطاريات»، في إشارة إلى سباق تكنولوجي متواصل يدفع نحو تطوير بطاريات، أكثر كفاءة وكثافة، ويزيد الطلب على المعادن الحيوية، ويضع الصناعة في مسار تصاعدي يتصل مباشرة بإيقاع الأسواق العالمية.
ويبيّن أن هذه الصناعة قامت على صفقة معقدة، ويقول: «المواد الخام تأتي من شبكة عالمية من الموارد»، ويشير إلى أن الوصول إليها يفتح مجالاً واسعاً لتداخل المصالح بين الشركات والحكومات، حيث تتشابك القرارات الاقتصادية مع الحسابات السياسية. ويقول: «المقايضة واضحة بين طاقة أنظف وكلفة إنسانية وبيئية»، في إشارة إلى توازن مختل أصبح جزءاً من النظام القائم، حيث تنتقل الكلفة إلى مناطق بعيدة عن مراكز الاستهلاك.
كما يوضح أن بطاريات الليثيوم نتاج عولمة عميقة، ويقول: «المواد تُستخرج وتُكرّر وتُجمّع عبر حدود متعدّدة»، ويشير إلى أن هذه السلسلة المعقدة أنتجت شكلاً جديداً من القوة يرتبط بالنفوذ الاقتصادي والتدفقات المالية. ويقول أيضاً: «التنافس الجيوسياسي يتركز حول هذه السلاسل»، في إشارة إلى موقع الصين المتقدم في هذا المجال، مقابل تحركات أمريكية وأوروبية تسعى إلى إعادة التوازن في هذا المشهد المتغيّر.

من التكنولوجيا إلى السياسة

في موازاة ذلك، يبين الكتاب أن هذه الثورة خلقت تفاوتاً حاداً بين مستويات مختلفة من الاقتصاد العالمي، ويقول: «ثروات هائلة تراكمت في قمة الهرم»، ويشير إلى صعود شركات التكنولوجيا وروادها إلى مستويات غير مسبوقة من الثراء، في وقت يستمر العمل في أسفل السلسلة ضمن ظروف قاسية، ما يعكس فجوة عميقة بين مراكز الربح ومناطق الإنتاج.
يتجاوز تأثير هذه الصناعة المجال الاقتصادي ليصل إلى قلب السياسة. فمع مرور الوقت، تحولت البطاريات إلى عنصر فاعل في رسم السياسات، وأصبحت جزءاً من معادلات النفوذ، داخل الدول وبينها. يظهر ذلك في تداخل مصالح الشركات مع دوائر القرار، وفي الحضور المتزايد لملفات المعادن ضمن الأجندات السياسية، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع الاستراتيجيات الوطنية.
على مستوى بنية الكتاب، يكشف الجزء الأول الظروف التي أفضت إلى الاندفاع نحو المعادن خلال الحقبة الاستعمارية، وفي الولايات المتحدة، خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي. ويتتبع الجزء الثاني تطور البطاريات في سياق تنافسات الحرب الباردة، وما أفرزته من نظام عالمي يقوم على السيطرة على الموارد. ويركّز الجزء الثالث على دخول البطاريات إلى عالم السيارات، وعلى إدراك الصين أهمية هذه الصناعة، فيما يصف الجزء الرابع النظام القائم حالياً، من عمالة الأطفال في المناجم إلى التلوث البيئي، مع ترسيخ السيطرة على سلاسل التوريد.
عناصر القوة
أما الجزء الخامس، فيتناول التقنيات الجديدة التي تحاول معالجة اختلالات هذه السلسلة، إلى جانب التحديات المرتبطة باستخدام أنواع مختلفة من البطاريات، ويعرض التحركات السياسية المتأخرة، للولايات المتحدة وأوروبا، لمواجهة الهيمنة الصينية، ضمن سباق يتسارع لإعادة توزيع النفوذ.
يمتد هذا التحول أيضاً إلى المجال العام، حيث لم يعد أثر هذه الصناعة محصوراً في دوائر القرار، بل بدأ يظهر في الشارع، وفي وعي المستهلكين. الاحتجاجات التي رافقت إطلاق بعض الأجهزة الحديثة في مدن متعدّدة تعكس تصاعد إدراك عالمي لمسار هذه السلاسل، ويشير الكتاب إلى أن ثمة أصواتاً متزايدة تربط بين رفاهية الاستخدام اليومي وكلفة الاستخراج البعيدة. في هذا السياق، تتحول شركات التكنولوجيا إلى طرف في نقاش أخلاقي وسياسي متسع، يتناول مسؤوليتها في إدارة سلاسل التوريد، وطبيعة علاقتها بالمناطق المنتجة، ما يضيف بعداً جديداً للصراع، حيث تتقاطع الأسواق مع الضغوط المجتمعية، ويتحوّل الطلب الاستهلاكي إلى عامل مؤثر في رسم السياسات والقرارات.
في النهاية، يضع الكتاب القارئ أمام عالم يتغير بسرعة، حيث تتحول المعادن إلى عنصر أساسي في رسم المستقبل، وتصبح سلاسل التوريد مسرحاً للصراع، وتنتقل القوة من النفط إلى البطاريات، في زمن تتداخل فيه التكنولوجيا مع الجغرافيا، وتُكتب فيه ملامح مرحلة جديدة من تاريخ النفوذ العالمي.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة