ما بين نكتة أطلقها الرئيس فولوديمير زيلينسكي، وعبارة ساخرة خطها كبير مفاوضيه على قميصه، شهدت رحلة «قطار السلام» غير المسبوقة للمبعوثين الأمريكيين الخاصين ستيف ويتكوف وغاريد كوشنر، إلى أوكرانيا، العديد من الكواليس اللافتة والرسائل الخفية، على وقع تصريحات دبلوماسية تمنح جرعة أمل بشأن محادثات منتظرة تنهي الحرب المستمرة منذ قرابة خمس سنوات، وسط أحاديث عن هدية روسية محتملة قبل انتخابات الكونغرس الأمريكي.
الرسائل الخاصة
في مشهد حمل تناقضات صارخة بين الأمل والواقع المرير، وصل ويتكوف وكوشنر إلى العاصمة الأوكرانية كييف الأحد، على متن قطار أطلقت عليه السلطات الأوكرانية اسم «قطار السلام»، رغم أنها لم تحمل اختراقاً ملحوظاً لوقف الحرب.
وقبيل وصول المبعوثين إلى كييف، حرص الجانب الأوكراني على تقديم لفتات رمزية تحمل رسائل سياسية عميقة، أولها إعداد وجبة فاخرة على متن القطار، تضمّنت تشكيلة من أطباق «تتار القرم»، في إشارة واضحة إلى تذكير المبعوثين بضم روسيا لشبه جزيرة القرم قبل أكثر من عقد.
أما اللافتة الأكثر دلالة كانت معلقة على طاولة عربة الطعام، وكُتب عليها: «السلام يصل في الوقت المحدد»، في إشارة إلى رسالة تفاؤل حذرة، وكأنها تذكير بأن الوقت قد حان لإنهاء هذه الحرب.
وعند الوصول، استقبل زيلينسكي مبعوثي الرئيس دونالد ترامب في ساحة صوفيا الشهيرة، التي تحولت إلى نصب تذكاري مفتوح للجنود الأوكرانيين الذين سقطوا في الحرب. ثم اصطحبهما إلى كاتدرائية القديسة صوفيا، وهي أيقونة تاريخية ورمز للهوية الوطنية الأوكرانية، في مشهد جمع بين التكريم العسكري والاعتزاز الثقافي.
قميص ساخر ونكتة ذكية
في لفتة مثيرة للانتباه، ارتدى أحد مفاوضي الرئيس زيلينسكي قميصاً مطبوعاً عليه عبارة، «نظام كييف»، تذكيراً بالمصطلح الذي يستخدمه الكرملين باستمرار للإشارة إلى الحكومة الأوكرانية، في محاولة لتشويه شرعيتها. حيث جاء هذا التصرف كرد فعل ساخر واستفزازي، يُظهر أن الأوكرانيين لا يزالون قادرين على السخرية من خطاب الكرملين، حتى في لحظات الجدية الدبلوماسية، كما اعتبره مراقبون دعوة للضغط الأمريكي على الجانب الروسي من أجل تغيير لهجته إن كان حقاً ينوي السلام.
وفي مشهد كسر الجمود، أطلق زيلينسكي نكتته التي لاقت تفاعلاً واسعاً، حيث دعا ضاحكاً ويتكوف وكوشنر: «أن يأتيا أكثر»، في إشارة إلى موافقة الكرملين، على وقف مؤقت للضربات الجوية المكثفة التي كانت تستهدف كييف طوال اليوم، خلال فترة وجود المبعوثين في أوكرانيا، ما منح سكان العاصمة لحظات نادرة من الهدوء. وكان زيلينسكي يسخر بلطف من أن وجود المبعوثين الأمريكيين وحده كافٍ لإقناع الروس بالتوقف مؤقتاً، داعياً إياهما إلى تكرار الزيارة كثيراً!
بالنسبة للعديد من الأوكرانيين، كانت أفضل نتيجة لهذه الزيارة هي الهدنة غير المعلنة التي منحتهم يوماً بلا إنذارات غارات جوية، بعد أسبوع من هجمات الطائرات بدون طيار النهارية غير المسبوقة التي عطلت حياة أكثر من 3.5 مليون نسمة في كييف. وعلى لسان الأوكرانيين، قال المرشد السياحي دميترو سولوفيوف بسخرية لنيويورك تايمز: «شكراً لك يا ستيف العزيز، وشكراً لك يا غاريد العزيز على منحنا هذا المساء بدون إنذارات الغارات الجوية».
أما يانا فيليميتوفا، مديرة المشتريات، فقالت بصراحة واقعية: «سننام لمدة ثلاثة أيام دون إضرابات، وسنعيد ضبط صحتنا العقلية خلال هذه الأيام، وهذا كل شيء».
هدية بوتين لترامب
ولاحقاً، قال زيلينسكي لموقع «أكسيوس» إن الولايات المتحدة تدرس ما إذا كان بإمكان أوكرانيا وروسيا اتخاذ خطوات لتهدئة الحرب خلال فصل الشتاء، مع استئناف المفاوضات للتوصل إلى اتفاق سلام أوسع.
وبينما قال زيلينسكي إنه مقتنع بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعول على شتاء قاسٍ آخر لإضعاف أوكرانيا، أضاف أن الرئيس الروسي لا يريد استفزاز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي.
وأضاف: «أشعر بأن بوتين يحتاج إلى ترامب. إنه لا يريد أن يزعجه». وعند سؤاله عما إذا كان بوتين قد يرغب في منح ترامب نصراً دبلوماسياً قبل الانتخابات الأمريكية، رد زيلينسكي بالقول: «نعم».
وأوضح زيلينسكي أن المبعوثين الأمريكيين قدما إلى موسكو وكييف في المقام الأول «لإزالة العوائق» عن العملية الدبلوماسية، لكنهما جلبا أيضاً بعض الأفكار الجديدة، رافضاً الكشف عن جميع التفاصيل، لكنه قال إن بعض المناقشات تضمنت خطوات تهدئة محتملة من روسيا وأوكرانيا قبل وأثناء فصل الشتاء.
وقال زيلينسكي: «هناك أفكار حول منشآت الطاقة، وحول شحنات الحبوب، وحول منشآت الكهرباء، وحول صادرات النفط والغاز. لدينا مصالح مختلفة، نحن وروسيا»، ومضى قائلاً إن «الفريق الأمريكي من المتوقع أن يقدم إحاطة لترامب، ثم يواصل المشاورات مع المسؤولين الأوكرانيين والأوروبيين».
أفكار قديمة بغلاف جديد
بحسب مصادر مطلعة على المحادثات التي استمرت أكثر من أربع ساعات، قدم الجانب الأمريكي نسخاً محدثة من وثائق سلام سابقة، تم تعديلها لتعكس المتغيرات الجديدة منذ تعطل المفاوضات في فبراير الماضي، بالتزامن مع اندلاع الحرب الأمريكية مع إيران. لكن المصادر أكدت أن الأمريكيين لم يأتوا بأفكار جديدة كثيرة، بل سعوا إلى إحياء مقترحات سابقة وتقليص الفجوات بين كييف وموسكو.
وقال كوشنر عن المفاوضات: «إنها مشكلة بالغة الصعوبة، لكننا سنحاول. وأعتقد أنه إذا استطعنا تحقيق ذلك، فسيكون إنجازاً عظيماً. هذا لا يعني أننا سننجح، لكن من المهم جداً أن نحاول»، أما زيلينسكي، فقد أشار في مؤتمر صحفي إلى أنهم ناقشوا «جميع الاحتمالات» لاستئناف المفاوضات، إضافة إلى «العديد من الأفكار الجديدة حقاً»، دون أن يقدم تفاصيل.
دونباس خط أحمر
تركزت المحادثات حول قضية إقليم دونباس، حيث تسيطر روسيا على نحو 75% من الإقليم، الذي أعلنت ضمّه. فيما يعتبر زيلينسكي الأراضي الأوكرانية المتبقية في دونباس خطاً أحمر، وأكد أنه لن يتنازل عنها أو عن أي أراضٍ تحتلها القوات الروسية. وقال: «دونباس ليست مجرد نقطة. إنها مسألة الحرب بأكملها». وأوضح أن النقاش حول القضايا الإقليمية يجب أن يتم «على مستوى القادة»، مشيراً إلى أن الحرب بكاملها هي ما يجب حسمه، وليس مجرد ترسيم حدود.
أفضل نتيجة متوقعة
ويتوقع المحللون أن تستمر الحرب حتى ما وصفوه بـ «الشتاء الكارثي»، مع تصعيد روسي متوقع للقضاء على المقاومة الأوكرانية. ويسعى الروس إلى تسريع مكاسبهم البطيئة في دونباس، مع تكثيف هجماتهم على البنية التحتية الحيوية. وكشف مسؤولون أوكرانيون عن توقعهم استئناف المفاوضات الجادة في وقت لاحق من الشهر الحالي، بعد الانتخابات البرلمانية الروسية، ولكن قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي.
وعلق كوشنر عندما سُئل عن موعد المحادثات القادمة: «نأمل أن يكون ذلك قريباً»، في إجابة بدت وكأنها نسخة مكررة من إجابات جميع الأطراف. فيما بدت الرسالة الأكثر جذباً تلك اللافتة الصغيرة على متن القطار:
«السلام يصل في الوقت المحدد»، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: متى يحين هذا الوقت؟