الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
210 آلاف عام من الشواهد الأثرية

الشارقة تاريخ حضاري يمتد عبر العصور

7 سبتمبر 2026 00:00 صباحًا | آخر تحديث: 7 سبتمبر 00:05 2026
دقائق القراءة - 7
شارك
share
الشارقة تاريخ حضاري يمتد عبر العصور
icon الخلاصة icon
آثار الشارقة توثق حضوراً بشرياً يمتد حتى 210 آلاف عام عبر مواقع متعددة وتطور تنقيبها إلى الترميم والرقمنة والميتافيرس للتوثيق والإتاحة
على امتداد الساحل الغربي للخليج العربي، مروراً بالمنطقة الوسطى، ووصولاً إلى الساحل الشرقي المطل على بحر عُمان، تحتفظ الشارقة بشواهد حضارية تعود إلى مراحل مختلفة من التاريخ الإنساني، لتشكل المواقع واللقى الأثرية المنتشرة في الإمارة سجلاً مادياً يروي فصولاً متعاقبة من حياة الإنسان وتطوره وعلاقاته بالمجتمعات والحضارات المحيطة.
ويمتد التسلسل الأثري في الشارقة من العصر الحجري القديم الأوسط قبل نحو 200 ألف عام، مروراً بالعصر الحجري الحديث والعصرين البرونزي والحديدي وفترة ما قبل الإسلام، وصولاً إلى العصور الإسلامية والفترات التاريخية المتأخرة، وهو امتداد زمني منح الإمارة سجلاً أثرياً متنوعاً يعكس تحولات أنماط الحياة والاقتصاد والتجارة عبر العصور.
تحولت هذه الصفحات البعيدة من التاريخ، بفضل عقود من أعمال المسح والتنقيب والدراسة، من آثار مدفونة في الأرض إلى شواهد يمكن قراءتها وتحليلها، فيما تدخل اليوم مرحلة جديدة تعتمد على التقنيات الرقمية والواقع الممتد والنمذجة ثلاثية الأبعاد، في مسار يجمع بين اكتشاف الماضي والحفاظ عليه وإتاحته للأجيال المقبلة.
الشارقة تاريخ حضاري يمتد عبر العصور
تقدم المواقع الأثرية في الشارقة دلائل على المراحل المبكرة للحضور البشري في المنطقة، إذ تمثل بعض الأدوات الحجرية المكتشفة على سطح الأرض في منطقة مليحة أقدم الاكتشافات الأثرية، فيما كشفت مواقع أخرى عن شواهد مهمة تعود إلى العصر الحجري القديم. ويقدم موقع سهيلة شاهداً أقدم على هذه المرحلة، إذ عُثر فيه على فأس يدوية من الصوان، صُنعت بالتقنية الآشولية ويعود تاريخها إلى نحو 500 ألف عام، لتشكل واحدة من الشواهد المهمة على الحضور البشري المبكر في المنطقة.
ويبرز جبل الفاية بوصفه واحداً من أهم المواقع المرتبطة بهذه المرحلة، إذ عُثر في الجانب الشرقي منه على ملجأ صخري احتوى على أدوات حجرية يعود تاريخها إلى فترات تمتد من نحو 210 آلاف سنة وحتى العصر الحجري الحديث.
ولا تكمن أهمية تلك الأدوات في قِدمها فحسب، بل في المعلومات التي تقدمها حول قدرة الإنسان القديم على اختيار المواد الخام وصناعة أدواته والتكيف مع الظروف البيئية والمناخية، كما أسهمت المكتشفات في جبل الفاية والبحيص والسهيلة ومليحة في الدراسات المرتبطة بحركة الإنسان وانتشاره في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية.
ومع الانتقال إلى العصر الحجري الحديث، بين 7000 و4000 قبل الميلاد، تكشف المواقع الأثرية عن مجتمعات اعتمدت على الصيد وجمع النباتات وصيد الأسماك والمحار، وتبرز مواقع جبل البحيص وجبل الفاية وتل أبرق وخورفكان وكلباء بوصفها شواهد على تلك المرحلة من تاريخ المنطقة.

ثقافات متميزة

مع دخول العصر البرونزي، بين 3200 و1300 قبل الميلاد، شهدت المنطقة ظهور ثقافات متميزة مثل حفيت وأم النار ووادي سوق، وكشفت أعمال التنقيب عن قبور ذات تصاميم مختلفة ومجموعات من الفخار المستورد، تقدم دليلاً على وجود صلات امتدت من بلاد ما بين النهرين إلى وادي السند.
أما العصر الحديدي، بين 1300 و300 قبل الميلاد، فيكشف عن تطورات كان لها أثر مباشر في حياة المجتمعات المحلية، من بينها تدجين الجمل واستخدام نظام الفلج الذي أتاح ري الأراضي الزراعية، وتقدم مواقع مثل الثقيبة ومويلح شواهد على تطور المجتمعات خلال تلك الفترة.
الشارقة تاريخ حضاري يمتد عبر العصور
وهكذا، لا ترسم المكتشفات الأثرية تاريخاً قائماً على تعاقب الأزمنة فقط، بل تكشف أيضاً عن حركة الإنسان وقدرته على تطوير أدوات حياته وإدارة موارده وبناء علاقات مع مناطق بعيدة، وهو ما يظهر بصورة أوضح في المراحل الحضارية اللاحقة.

عملات محلية

بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الثالث الميلادي، برزت مليحة مركزاً حضارياً وتجارياً مهماً في المنطقة، فقد كشفت التنقيبات فيها عن مبانٍ إدارية وقصور، إلى جانب مكتشفات تشير إلى صلات تجارية وثقافية واسعة.
ومن بين الشواهد جرار أمفورية مستوردة من جزيرة رودس، إضافة إلى عملات محلية وأخرى مرتبطة بالفترات الهلنستية والسلوقية والبارثية وجنوب الجزيرة العربية وبعض الإصدارات الرومانية. كما قدمت النقوش المكتشفة في مليحة، ومنها نقوش آرامية وعربية جنوبية ونقوش ثنائية اللغة، شواهد على التعدد اللغوي والتفاعل الثقافي الذي عرفته المنطقة خلال القرون الأخيرة قبل الميلاد وبدايات العصر الميلادي.
ولا تتوقف أهمية مليحة عند ما عُثر عليه من مبانٍ أو قطع منفردة، فاجتماع العملات والفخار والنقوش والحلي والمقتنيات الجنائزية يقدم صورة أوسع لمجتمع شارك في شبكات اقتصادية وثقافية تجاوزت محيطه المحلي.

الساحل الشرقي

تتواصل الشواهد الأثرية في العصور الإسلامية، لاسيما على الساحل الشرقي للإمارة، إذ كشفت الأبحاث عن تجمعات بشرية ومنشآت تدل على استمرار النشاط الاقتصادي والثقافي، وتبرز الفترة العباسية المبكرة ضمن هذه الشواهد، إلى جانب مكتشفات أثرية من بينها عملات صينية تعكس امتداد الصلات والتبادلات مع مناطق بعيدة، وصولاً إلى العصور الحديثة.
الشارقة تاريخ حضاري يمتد عبر العصور
وبذلك تمتد الخريطة الأثرية للشارقة عبر مناطقها المختلفة، من جبل الفاية والبحيص ومليحة وتل أبرق ووادي الحلو والثقيبة، إلى دبا الحصن وكلباء وخورفكان، لتقدم كل منطقة جزءاً من قصة حضارية أكبر.
وكشفت أعمال التنقيب في هذه المواقع عن آلاف القطع، بينها أدوات حجرية وأوانٍ فخارية وأسلحة وأدوات معدنية وحلي وعملات وأختام ونقوش ولقى زجاجية وأوعية حجرية، إلى جانب بقايا عضوية وبشرية وحيوانية.

أنماط الحياة

في علم الآثار، لا تمثل القطعة المكتشفة مجرد شيء قديم، وإنما وثيقة يمكن من خلالها إعادة بناء جوانب من حياة الإنسان في زمنها، فالأداة الحجرية قد تكشف طريقة الصناعة والاستخدام، والفخار يساعد في تحديد الأزمنة وأنماط الطعام والتخزين والتجارة، بينما تعكس المعادن مستوى التطور التقني والاقتصادي.
وتقدم الحلي بدورها مؤشرات إلى الذوق الفني والمكانة الاجتماعية وشبكات التجارة، فيما تساعد العملات على فهم النظم الاقتصادية والعلاقات التجارية والسياسية، أما النقوش والكتابات فتضيف بعداً آخر، لأنها تنقل أسماء ورموزاً ومعلومات ترتبط باللغة والتنظيم الاجتماعي والاقتصادي والممارسات المختلفة.
الشارقة تاريخ حضاري يمتد عبر العصور
ومن خلال دراسة هذه اللقى في سياقها الزمني والمكاني، يستطيع علماء الآثار إعادة بناء أنماط الحياة المختلفة وشبكات التجارة والتقنيات الصناعية والمعتقدات والعلاقات الثقافية بين المجتمعات القديمة. كما أتاحت البقايا العضوية من عظام بشرية وحيوانية وأصداف وبذور متفحمة وفحم نباتي، قراءة جوانب أخرى من حياة المجتمعات القديمة تشمل الغذاء والبيئة والغطاء النباتي والحيوانات التي تعامل معها الإنسان.

المسح والتنقيب

بدأ النشاط الأثري في إمارة الشارقة عام 1973، عندما نفذت البعثة العراقية أعمال المسح والتنقيب في عدد من المناطق، وكان موقع مليحة من أبرز المواقع التي عملت فيها. وتواصلت الجهود لاحقاً مع بعثة التنقيب الأثرية المحلية إلى جانب بعثات أجنبية ودولية من بينها بعثات إسبانية وألمانية ويابانية وأمريكية وبرتغالية وأسترالية ونمساوية، وأسهمت هذه الأعمال على مدى عقود في الكشف عن حقائق ومكتشفات أضاءت جوانب متعددة من التاريخ القديم للمنطقة، وأثبتت وجود تسلسل أثري طويل في الإمارة.
ولم يعد العمل الأثري مقتصراً على استخراج القطع من الأرض، إذ تعتمد الدراسات الحديثة على تقنيات علمية تشمل التأريخ بالكربون المشع، والتحليل الكيميائي بالأشعة السينية، والمجهر الإلكتروني الماسح، والتحليل المعدني، والتحليل الطيفي، ودراسة البقايا العضوية والحمض النووي القديم، بما يساعد على معرفة مصادر المواد الخام وتقنيات الصناعة والبيئة القديمة والأنظمة الغذائية والعلاقات التجارية.

عمليات الترميم

بعد اكتشاف القطعة الأثرية تبدأ رحلة أخرى لا تقل أهمية عن التنقيب نفسه، وهي رحلة الحفاظ عليها، وتتبنى هيئة الشارقة للآثار لتحقيق ذلك منهجاً متكاملاً يبدأ بالتوثيق الميداني للقطعة قبل استخراجها، وتسجيل موقعها وسياقها الأثري وتصويرها وتقييم حالتها، ثم استخراجها ونقلها وفق طبيعتها ودرجة حساسيتها.
وعند وصول القطعة إلى المختبر، تُسجل بياناتها وتُجرى عليها الفحوص اللازمة قبل تحديد طريقة المعالجة. وتختلف عمليات الترميم بحسب المادة، فالفخار لا يعالج بالطريقة ذاتها التي تعالج بها المعادن أو الزجاج أو الحجر أو المواد العضوية.
وتقوم فلسفة الحفظ على الحفاظ على أصالة القطعة وتقليل التدخل فيها قدر الإمكان، إلى جانب توثيق جميع مراحل المعالجة وإعطاء الأولوية للحفظ الوقائي، ولا تنتهي الرحلة بعد الترميم، إذ تحتاج القطع إلى ظروف تخزين وعرض تراعي درجات الحرارة والرطوبة والإضاءة وطبيعة المادة، مع المراقبة الدورية لضمان سلامتها على المدى الطويل.
وفي قاعة العرض الرئيسة بمبنى هيئة الشارقة للآثار، تتحول مجموعة من هذه المكتشفات إلى نافذة يطل منها الزائر على تاريخ الإمارة، من خلال أدوات حجرية وفخاريات وعملات وحلي ونقوش ومقتنيات جنائزية من مواقع أثرية مختلفة.

دراسة الماضي

بينما تعتمد دراسة الماضي على القطعة المادية وسياقها الأثري، دخلت عملية الحفاظ على التراث في الشارقة مرحلة جديدة مع توظيف التقنيات الرقمية. وتشمل الأدوات المستخدمة في توثيق التراث التصوير ثلاثي الأبعاد، والنمذجة الرقمية، والمسح بالليزر، والتصوير متعدد الأطياف، وقواعد البيانات الرقمية وأنظمة إدارة المجموعات الأثرية، إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل التلف ومراقبة حالة القطع.
وأعدت هيئة الشارقة للآثار خطة شاملة لرقمنة وتوثيق التراث الثقافي في الإمارة، استجابة لتوجهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بهدف توظيف التقنيات الحديثة في الحفاظ على الإرث الثقافي ورفع الوعي الأثري وإتاحته بصورة أوسع.
ويشكل مشروع «مركز علم الآثار في الميتافيرس» امتداداً رقمياً لهذه الرحلة، إذ يجمع بين تقنيات الواقع الممتد والنمذجة ثلاثية الأبعاد والمحاكاة التفاعلية، بما يسمح باستكشاف المواقع والقطع الأثرية في بيئة افتراضية من دون تعريض العناصر الأصلية للمخاطر.
واعتمد المشروع على عمليات التوثيق ثلاثي الأبعاد للمواقع والقطع والنقوش، باستخدام أجهزة المسح الرقمي والتصوير الفوتوغرامتري، إلى جانب تقنيات الليدار والطائرات من دون طيار، لإنشاء نماذج رقمية عالية الدقة. وتتيح بيئة الواقع الممتد استخدام الواقع الافتراضي والمعزز والمختلط، بحيث يستطيع المستخدم الانتقال من مشاهدة القطعة إلى التفاعل معها واستكشاف تفاصيلها والسياق التاريخي المرتبط بها.
ويستهدف المشروع كذلك تقريب التراث من الجمهور، خصوصاً الشباب والطلاب، من خلال مسارات تعليمية وجولات افتراضية ومحتوى يجمع بين الصوت والصورة والسرد التاريخي والتفاعل المباشر. كما يقدم معرض «الآثار الرقمية» تجربة غامرة تتيح مشاهدة القطع الأثرية رقمياً وتدويرها والتعرف إلى قصصها، إلى جانب إمكانية حضور ندوات ومحاضرات علمية داخل البيئة الافتراضية.

مسار طويل

من أداة حجرية صنعها إنسان عاش على هذه الأرض قبل آلاف السنين، إلى قطعة أثرية تُمسح اليوم بأجهزة ثلاثية الأبعاد لتصبح متاحة في فضاء رقمي، تمتد قصة التراث في الشارقة عبر مسار طويل يجمع بين الإنسان والمكان والمعرفة. فاللقى التي خرجت من جبل الفاية ومليحة والبحيص وتل أبرق ووادي الحلو والثقيبة ودبا الحصن وكلباء وخورفكان وغيرها، لا تقدم شواهد منفصلة على عصور مضت، وإنما تشكل أجزاء من سجل حضاري يكشف كيف عاش الإنسان، وكيف صنع أدواته، وأدار موارده، وتاجر وتواصل مع مجتمعات وحضارات أخرى.
وبين التنقيب والترميم والبحث العلمي والرقمنة، تستمر قراءة هذا السجل والحفاظ عليه، لتظل آثار الشارقة شاهدة على تاريخ حضاري يمتد عبر العصور، فيما تمنح التقنيات الحديثة هذا التاريخ مساحة جديدة للحضور، وتفتح أمام الأجيال المقبلة طرقاً مختلفة لاكتشافه والتفاعل معه.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة