من أين تأتي الأفكار الكبيرة؟ ما الذي يولدها؟ كيف تبتكر فورة الدماغ هذه الأفكار؟ ماذا يعني أن يكون المرء عبقرياً؟ كيف تستطيع أدمغة العباقرة أن تبتكر هذه الإنجازات المهيبة والأصيلة؟ كم عدد العباقرة الذين ولدوا ولم يدركوا موهبتهم بسبب التنشئة الناقصة؟ لماذا يكون البعض مفكرين إلى درجة العبقرية؟ هل تستطيع أن تحفز قدرتهم الإبداعية الفطرية من هم أقل إبداعاً؟ هل نستطيع غرس ملكة الإبداع في أبنائنا والأجيال القادمة؟
هذه الأسئلة مهمة، وصعبة، لكن عالمة الأعصاب نانسي أندرياسن حاولت في قرابة الثلاثين عاماً، أن تجيب عنها، وجميعها، بأسلوب يجمع بين البحث الأدبي وعلم الأعصاب والطب النفسي، في مسعى لاكتشاف كيف بإمكان الدماغ، العضو الأكثر تشويقاً وتعقيداً في جسم الإنسان، أن يبتكر أعظم قدرة وأكثرها إعجازاً، ألا وهي القدرة على الخلق والإبداع.
متى بدأ البشر الأوائل بالتفكير والشعور، وبالطريقة نفسها التي نفكر، ونشعر بها نحن في القرن الواحد والعشرين؟ متى بدؤوا الإحساس بالعاطفة والحب التبادلي الخالص والمتفاني، أو الاقتران مدى الحياة؟
يشير هذا الكتاب وعنوانه «الدماغ الخلاق.. علم أعصاب العبقرية» لنانسي أندرياسن إلى أننا ندرك حتى من دون مخطوطات، أن بعض البشر الذين عاشوا في عصور ما قبل التاريخ كانوا يمتلكون موهبة إبداعية، أو قدرة على رؤية الأشياء الجديدة التي لا يراها الآخرون، وكان لزاماً على المبدعين الأوائل أن يصبحوا حكّائي قصص قبل اختراع الكتابة بأمد طويل، وكان لزاماً عليهم أن يبدؤوا في صنع ذاكرة، وأن يتوارثوا القصص ويكرروا سردها، ومن ثم يسجلوا تاريخ قبائلهم ومدنهم، وأن يمرروا القصص والأساطير إلى الأجيال المستقبلية.
ظاهرة مركبة
ينشغل هذا الكتاب الذي ترجمه إلى العربية حميد يونس بمحاولة فهم الإبداع، بوصفه ظاهرة إنسانية مركبة، تتقاطع فيها البيولوجيا العصبية مع التجربة النفسية والسياق الثقافي، وتنطلق المؤلفة من أسئلة كبرى حول منشأ الأفكار وطبيعة العبقرية، وتسعى إلى تفكيكها عبر منهج يجمع بين تحليل السير الإبداعية ودراسة وظائف الدماغ.
يبدأ الكتاب بتحديد الإبداع بوصفه قدرة على إنتاج أفكار أصيلة ذات قيمة، مع التأكيد على ضرورة تحقق ثلاثة عناصر مترابطة: الأصالة والمنفعة والنتاج، يتتبع هذا التصور جذوره عبر تاريخ الإنسان، حيث يظهر الإبداع كامتداد لقدرات بدائية مبكرة مثل إشعال النار وصناعة الأدوات.
إن أي تدقيق في مفهوم الإبداع (سواء في ما يتعلق بتركيبة الدماغ ووظيفته أو الشخصية أو الطراز المعرفي أو المرض العقلي) يجب أن يبدأ بسؤال معقد في الأصل، ألا وهو ما الإبداع بالضبط؟ وما العلاقة بينه وبين الذكاء؟ كان أول من سعى إلى تعريف الإبداع ودراسته وفق الأساليب المنهجية لعلم النفس الحديث هو لويس تيرمان في جامعة ستانفورد، إذ افترض تيرمان أن العبقرية والذكاء هما الشيء نفسه، وبدءاً من عام 1921 أطلق مشروع دراسة العبقرية، الذي استمر حتى بعد وفاته عام 1956.
ينتقل التحليل إلى دراسة الكيفية التي تتشكل بها الفكرة داخل العقل، تستعين المؤلفة بمجاز «زنادو» لتوصيف المجال العميق الذي تنبثق منه الأفكار، حيث تتفاعل عناصر اللاوعي بعيداً عن الرقابة المباشرة، وتشير شهادات المبدعين، إلى أن الأفكار تظهر في لحظات استرخاء أو شرود.
علاقات غير مألوفة
تتضح ملامح الشخصية الإبداعية من خلال انفتاحها على التجربة واستعدادها للمغامرة وتحمل الغموض، وهو ما يمنحها قدرة على إدراك علاقات غير مألوفة، وتتشكل العملية الإبداعية هنا كحالة انفصال مؤقت عن الواقع تتيح للأفكار أن تتلاقى بحرية قبل أن تتجسد في صورة منجزة.
التفكير الصامت
يتجه التحليل نحو البنية البيولوجية للدماغ، حيث تشرح المؤلفة تعقيد الشبكات العصبية التي تضم مليارات الخلايا المترابطة، تقدم مفهوم «التفكير العرضي الصامت العشوائي» بوصفه حالة نشاط داخلي يحدث حين يكون الدماغ في وضع الراحة الظاهرة، حيث تقوم القشور الترابطية بدمج المعلومات بحرية.
يعمل الدماغ الخلاق كنظام ذاتي التنظيم، تتفاعل أجزاؤه دون مركز تحكم ثابت، ما يسمح بظهور ترابطات جديدة بين أفكار متباعدة، تكشف هذه الرؤية عن أن الإبداع يعتمد على مرونة الشبكات العصبية وقدرتها على تجاوز المسارات الخطية المعتادة.
يعالج أحد محاور الكتاب إشكالية قديمة تتعلق بارتباط العبقرية بالاضطراب النفسي، من خلال دراسة ميدانية على كتاب محترفين، توصلت المؤلفة إلى غياب الفصام مقابل حضور مرتفع لاضطرابات المزاج، خاصة الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب، تفسر هذه النتيجة بكون الشخصية الإبداعية أكثر حساسية وانفتاحاً، ما يجعلها عرضة لتقلبات نفسية حادة. يظهر الإبداع هنا كحالة توازن دقيقة بين الانفتاح والانهيار، حيث قد تعوق الاضطرابات الشديدة القدرة على الإنتاج. يناقش النص أيضاً أثر العلاج، مؤكداً أن استقرار الحالة النفسية يعزز القدرة الإبداعية بدل أن يضعفها.
يتوسع التحليل ليشمل السياق الاجتماعي والثقافي، حيث تبرز أهمية البيئة في احتضان الإبداع، وتستعرض المؤلفة نماذج تاريخية لمدن ومجتمعات شكلت بيئات محفزة، وتحدد شروطاً أساسية لظهور الإبداع، منها الحرية الفكرية، والتفاعل مع الآخرين، ووجود المنافسة، والدعم المؤسسي، والازدهار الاقتصادي.
يتكون الدماغ مثله مثل الحديقة تماماً، إذ تنمو التشعبات والأشواك العصبية التي تشذب مرة تلو أخرى، فلا شك أن الطبيعة الأم تصنع عباقرة أكثر مما يسمح لها بالنمو في نهاية المطاف، حتى الآن يتم تجاهل الكثير من العقول أو تهمل أو تثبط عزيمتها وحماسها، إذا كان الأمر كذلك، فالمجتمع يكون إما نعمة أو مأساة، لا شك أن هناك نتاجاً خلاقاً كبيراً لم يستغل، وراح هباء وسدى، بسبب قلة التشجيع بكل بساطة.
تطلع مستقبلي
تقول المؤلفة: «لا بد أن نتعلم عن الدماغ الخلّاق أكثر وأكثر في السنين المقبلة، عن الكيفية التي يفكر فيها الدماغ ويتعلم، وكيف ينظم نفسه تلقائياً، ومع تطور هذه المعرفة تتكشف لنا طرائق أكثر وأكثر، لأجل تنشئة الطبيعة الإبداعية، التي نتشاركها كلنا».