أدلى الروس بأصواتهم، الجمعة، في انتخابات تشريعية تستمر ثلاثة أيام، وتبدو نتائجها محسومة لمصلحة حزب «روسيا الموحّدة»، بزعامة الرئيس فلاديمير بوتين، فيما تلقي الحرب الأوكرانية، المستمرة منذ نحو خمس سنوات، بظلالها على الاستحقاق.
وهذه أول انتخابات برلمانية تُجرى في روسيا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا في 2022، في نزاع أوقع منذ ذلك الحين مئات الآلاف من القتلى. ولم يُسمَح بالمشاركة في الانتخابات إلا للأحزاب التي تدعم بوتين، والحملة العسكرية التي يشنها الكرملين، كما نظمت موسكو عمليات اقتراع في الأراضي الأوكرانية المحتلة.
وندد الاتحاد الأوروبي بالانتخابات، قائلاً إن «القمع» استُخدم للقضاء على المعارضين، فيما وصفت هيئة تابعة لمجلس أوروبا الاقتراع بأنه «زائف».
وفي حين لا يشك سوى قلة من الروس في أن حزب «روسيا الموحدة» بزعامة بوتين سيفوز مجدداً بسهولة، يشكل الاقتراع مؤشراً إلى حجم التأييد الشعبي للحرب. ويحكم بوتين روسيا منذ عام 1999، فيما يهيمن حزبه على الحياة السياسية منذ أوائل الألفية.
وبث الكرملين مشاهد للرئيس البالغ من العمر 73 عاماً يدلي بصوته عبر الإنترنت، في ظهور نادر للزعيم الذي يحكم البلاد منذ فترة طويلة، وهو يستخدم التكنولوجيا الحديثة.
وفي شوارع موسكو، قال عدد من الناخبين: إنهم يريدون انتهاء الحرب في أوكرانيا، لكن بشروط روسيا، مؤيدين أهداف بوتين.
«أؤيد العملية العسكرية»
في مركز للاقتراع في وسط موسكو، قال سيرغي كورينيتس (41 عاماً)، الذي يعمل في قطاع السكك الحديدية، إنه يدعم «روسيا الموحدة»، مشيراً إلى أنه سيصوت لمصلحة «الاستقرار»، وهو الشعار الرئيسي الذي يرفعه بوتين.
وعندما سُئل عما إذا كانت أربع سنوات ونصف سنة من الحرب تعني «الاستقرار»، قال كورينيتس: «أريد أن ينتهي كل هذا في أسرع وقت ممكن»، مؤكداً في المقابل أنه لا يرغب في الحصول على أي تغيير في الداخل، وأنه «راضٍ عن وضعه المالي».
وعلى الرغم من العقوبات الغربية الشاملة، لا يزال الاقتصاد الروسي صامداً، مع استمرار الحياة في العاصمة بشكل طبيعي.
وقالت ليوبوف (55 عاماً) في موسكو، مستخدمة المصطلح الذي يعتمده الكرملين لوصف هجومه: «أؤيد تماماً العملية العسكرية الخاصة». وأضافت، مكررة أحد مبررات بوتين لشن الحرب: «لا يمكن أن يكون حلف شمال الأطلسي على حدودنا».
لكنها انتقدت بعض السياسات الاجتماعية، ولا تزال مستاءة من رفع سن التقاعد قبل عدة سنوات، مؤكدة رغبتها في «العودة إلى النظام الاقتصادي السوفييتي».
ولا يواجه حزب «روسيا الموحدة» سوى أحزاب تدعم سياسات بوتين والحرب، وهي: الحزب الشيوعي، وحزب روسيا الليبرالي الديمقراطي القومي، وحزب «روسيا العادلة»، وحزب «أناس جدد».
أما حزب «يابلوكا»، وهو التكتل الوحيد المناهض علناً للحرب، فسمح له في بادئ الأمر بالمشاركة، قبل أن يقصيه القضاء، الشهر الماضي.
وتستمر عملية التصويت لانتخاب أعضاء مجلس الدوما الـ450 حتى الساعة 18:00 (ت غ) الأحد، على أن تظهر النتائج تباعاً. وقبيل الاقتراع، دعا بوتين مواطنيه إلى التصويت، ليعلم الجنود الروس أن «خلفهم ملايين الأشخاص»، ولإظهار «موقف موحد ضد من يحاولون إضعاف روسيا».
شبح التعبئة
ومن المسائل المحورية أيضاً في الانتخابات الخوف من حملة تجنيد جديدة على غرار «التجنيد الجزئي» لـ300 ألف جندي احتياط في 2022، والتي دفعت الرجال في سن التجنيد إلى الهجرة من روسيا.
فمنذ أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أن هذا الإجراء سيعلن في الخريف بعد الانتخابات التشريعية، نفى بوتين وأوساطه مراراً مثل هذا «السيناريو» الذي يلقى رفضاً شعبياً، حتى في الأوساط القيادية في موسكو.
وتسببت الضربات الأوكرانية هذا العام في اضطرابات متزايدة، ووصلت إلى مناطق بعيدة، مثل سيبيريا والأورال.
من جهتها، دعت المعارضة في الخارج، والمستبعدة من الانتخابات «الروس المعارضين للحرب» إلى التصويت ضد حزب بوتين بدلاً من مقاطعة الانتخابات، ونشرت أسماء المرشحين الذين تدعمهم. كما دعت يوليا نافالنايا، أرملة المعارض الراحل أليكسي نافالني، الروس المناهضين للحرب إلى التصويت في وقت واحد، ظهر يوم الأحد.
إلا أن حزب «يابلوكا» عارض هذا الطرح، مؤكداً أن الحل الأفضل يتمثل في مقاطعة الانتخابات.
لكن ناخبة في موسكو تدعى يكاتيرينا، عاشت حياتها كلها في ظل حكم بوتين، لم ترَ سبباً لإحداث تغيير سياسي، ولم تثنِها الحرب عن موقفها؛ حيث قالت الشابة البالغة من العمر 26 عاماً: «ما زلت أثق برئيسي».