متابعة: أحمد البشير
من وول ستريت إلى جيوب الأمريكيين، يرسل ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية موجة جديدة من الضغوط إلى الاقتصاد، مع صعود تكلفة الاقتراض والرهن العقاري وبطاقات الائتمان.
وبينما قد يجد المدخرون والبنوك بعض المكاسب، يواجه المستهلكون والشركات فاتورة تمويل أعلى قد تعيد رسم مسار الإنفاق والنمو.
وقد ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية بقوة، الأربعاء، إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ سنوات، في تحرك قد يمتد تأثيره إلى مختلف قطاعات الاقتصاد، خصوصاً المستهلكين، عبر زيادة تكاليف الرهن العقاري وقروض السيارات وبطاقات الائتمان.
وجاء صعود العوائد وسط ارتفاع الضغوط التضخمية وتزايد توقعات الأسواق بأن يقدم مجلس الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة مجدداً في أكتوبر، إضافة إلى ضعف الطلب في مزاد لسندات الخزانة لأجل 5 سنوات.
كما ساهمت إصدارات الديون الكبيرة من شركات الحوسبة السحابية العملاقة في زيادة المنافسة على أموال المستثمرين، ما زاد الضغوط على سوق السندات الحكومية.
السندات لأجل 10 سنوات
قفز عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، وهو مؤشر رئيسي لتكلفة الرهن العقاري والعديد من القروض طويلة الأجل، إلى 5.125%، وهو مستوى لم يُسجل منذ الفترة التي سبقت الأزمة المالية العالمية.
كما ارتفع عائد السندات لأجل عامين بأكثر من 13 نقطة أساس ليتجاوز 4.9%، مع زيادة رهانات المتعاملين على أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيواصل تشديد السياسة النقدية بعد رفع الفائدة الأسبوع الماضي.
ويتحرك سعر السندات والعائد عليها في اتجاهين متعاكسين؛ فعندما تتراجع أسعار السندات يرتفع العائد عليها.
ارتفاع تكاليف الاقتراض
ارتفاع العوائد لا يزيد تكلفة تمويل الحكومة الأمريكية التي تتجاوز ديونها 40 تريليون دولار فحسب، بل يرفع أيضاً تكاليف الاقتراض على الأسر والشركات.
ويمثل المستهلكون نحو 70% من النشاط الاقتصادي الأمريكي، بينما يحملون ما يقارب 19 تريليون دولار من الديون، ما يجعل ارتفاع أسعار الفائدة عاملاً مهماً في تحديد قوة الإنفاق والنمو.
وقال دان نورث، كبير الاقتصاديين لدى شركة «أليانز تريد» في أمريكا الشمالية، إن الارتفاع المحدود في عوائد المدخرات لن يعوض المستهلكين عن الزيادة في تكاليف الإسكان والقروض الشخصية وبطاقات الائتمان.
الرهن العقاري يتجاوز 7%
يُظهر سوق الإسكان التأثير بشكل واضح، إذ بلغ متوسط فائدة الرهن العقاري الأمريكي لمدة 30 عاماً نحو 7.26%، مرتفعاً بأكثر من ربع نقطة مئوية خلال أسبوعين فقط، وبنحو نقطة مئوية كاملة مقارنة بالعام السابق.
ومن شأن استمرار ارتفاع تكاليف التمويل أن يجعل شراء المنازل أكثر صعوبة، ويؤثر في الطلب على العقارات والإنفاق المرتبط بها.
ومن شأن استمرار ارتفاع تكاليف التمويل أن يجعل شراء المنازل أكثر صعوبة، ويؤثر في الطلب على العقارات والإنفاق المرتبط بها.
كيف تنتقل الفائدة إلى الاقتصاد؟
عندما يرفع الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة، تنتقل آثار القرار إلى أسعار الفائدة قصيرة الأجل، ثم تمتد بدرجات مختلفة على طول منحنى العائد.
وقد بلغ سعر الفائدة الأساسي، الذي تعتمد عليه العديد من القروض ذات الفائدة المتغيرة، نحو 7% بعد زيادة ربع نقطة مئوية عقب قرار الاحتياطي الفيدرالي الأخير.
ومع ارتفاع تكلفة الاقتراض، قد تتراجع رغبة المستهلكين في الحصول على القروض وتمويل مشتريات كبيرة مثل السيارات والمنازل.
فعلى سبيل المثال، إذا أصبح شراء سيارة أكثر تكلفة بسبب ارتفاع الفائدة، فقد ينخفض الطلب على السيارات، ما قد ينعكس بدوره على الإنتاج والتوظيف في قطاع السيارات، وبالتالي على النشاط الاقتصادي الأوسع.
المدخرون والبنوك
لا تخلو بيئة الفائدة المرتفعة من بعض الآثار الإيجابية. فقد يحصل المدخرون على عوائد أعلى على الودائع وحسابات التوفير، فيما يمكن للبنوك الاستفادة من قدرتها على تحقيق عوائد أكبر على الأموال التي تحتفظ بها، إلى جانب زيادة الإيرادات من القروض.
لكن هذه الفوائد قد تترافق مع تأثير معاكس إذا أدى ارتفاع تكلفة الاقتراض إلى انخفاض الطلب على القروض وتباطؤ النشاط الاقتصادي.
الشركات الصغيرة والمتوسطة
ويمثل استمرار ارتفاع العوائد خطراً على آفاق النمو، خصوصاً بالنسبة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تمتلك قدرة أقل على الوصول إلى التمويل مقارنة بالشركات الكبرى.
وقال دان نورث إن الشركات الصغيرة والمتوسطة قد تكون الأكثر تأثراً، لأن محدودية قدرتها على الاقتراض تجعل انخفاض توافر الائتمان أكثر صعوبة بالنسبة إليها.
وفي الوقت نفسه، لا يزال النشاط الاقتصادي الأمريكي قوياً؛ إذ يتتبع بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا نمواً للناتج المحلي الإجمالي يبلغ نحو 5.1% في الربع الثالث، وهو عامل آخر قد يساهم في إبقاء عوائد سندات الخزانة عند مستويات مرتفعة.