بعيداً عن الأزمات التي يواجهها العالم من صراعات وحروب وتنافس اقتصادي وتجاري وتقني محموم، فإن هناك أزمة تلقي بظلالها على البشرية لا يقل خطرها عما يتهددها من مخاطر، وهي أزمة المياه، إذ إن العالم بدأ يدخل عصر الإفلاس المائي، حيث يعاني ثلاثة أرباع سكان الكرة الأرضية انعدام الأمن المائي أو يدخل مرحلة حرجة.
تقارير الأمم المتحدة تؤكد أن 4 مليارات نسمة يعانون ندرة حادة في المياه لمدة شهر واحد على الأقل سنوياً، كما أن ملياري شخص يفتقرون إلى مياه الشرب الآمنة، في حين يفتقر نحو 3.5 مليار شخص إلى خدمات الصرف الصحي الآمن، كما ارتفعت أعمال العنف المرتبطة بالمياه من 235 حادثة في عام 2022 إلى 419 حادثة في عام 2024، كما أن أزمة المياه بدأت تأخذ منحى تصعيدياً يهدد بحروب بين بعض الدول في إفريقيا وآسيا جراء خلافات حول حصص المياه من الأنهار العابرة للدول.
في ظل هذه الأزمة المتفاقمة تستعد دولة الإمارات لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمياه خلال الفترة من 8 ديسمبر/ كانون الأول إلى 10 ديسمبر بالتعاون مع السنغال لدفع الحلول الدولية من مرحلة التعهدات إلى التنفيذ الفعلي، لإنقاذ العالم من كوارث محتملة إذا لم يتم تدارك الأمر قبل فوات الأوان، خصوصاً أن تغير المناخ، إضافة إلى الصراعات، تأخذ منحى متسارعاً في تفاقم الأزمة.
تستند مبادرات دولة الإمارات إلى استراتيجية الأمن المائي لعام 2036 التي تهدف إلى ضمان استدامة الوصول إلى المياه في الظروف الطبيعية، والطوارئ القصوى، عبر خفض الطلب الإجمالي على الموارد المائية بنسبة 21 في المئة، وزيادة نسبة إعادة استخدام المياه المعالجة إلى 95 في المئة، وذلك من أجل مواجهة التحدي العالمي العاجل المتمثل في ندرة المياه، وتسريع تطبيق الحلول التكنولوجية المبتكرة وتوفير المياه للجميع، باعتبار أن المياه حق إنساني لا يجوز التهاون فيه.
كان الاجتماع الحالي للجمعية العامة للأمم المتحدة مناسبة لدولة الإمارات كي تبدأ جهودها من أجل الإعداد لمؤتمر المياه الذي ينعقد على أرضها، فبادرت إلى جمع نحو 50 من الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وقادة العمل الخيري، في مقر البعثة الدائمة لدولة الإمارات في نيويورك لبحث سبل نقل مشاريع المياه من مرحلة الدراسات والأفكار إلى الجاهزية الاستثمارية. وعُقد الاجتماع الذي حمل عنوان «الاستثمار في المياه هو استثمار في النمو»، بدعوة من المبعوث الخاص لوزير الخارجية لشؤون الأعمال الخيرية بدر جعفر، وعبدالله بالعلاء مساعد وزير الخارجية لشؤون الطاقة والاستدامة، والمشرف على استعدادات الإمارات لاستضافة مؤتمر المياه الدولي، إذ أكد بالعلاء أن «التحديات المائية تواجه العالم أجمع، وأن دولة الإمارات تؤمن بالحوار، واحترام القانون الدولي»، مشدداً على أهمية التعاون الدولي لمواجهتها، وأشار إلى أن «دول الخليج تتعاون في إيجاد حلول لمشكلات المياه»، داعياً رواد الأعمال إلى «المشاركة في تطوير حلول مبتكرة عبر التكنولوجيا المبتكرة».
يقف العالم أمام مفترق طرق في مواجهة أزمة المياه، فإما أن ينجح في معركته، وإما أن يواجه كوارث متوقعة تنضم في تداعياتها إلى الحروب والصراعات القائمة.