لم تعُد التوزيعات النقدية في أسواق الأسهم الإماراتية مجرّد انعكاس لحجم الأرباح المحققة، إذ باتت قدرة الشركات على زيادة ما تدفعه للمساهمين مرتبطة بدرجة أكبر بنمو التدفقات النقدية، وقوة الميزانيات، ومستوى الإنفاق على التوسع، إلى جانب السياسات التي تحدد الحد الأدنى أو نسبة التوزيع من الأرباح.
وتكشف نتائج الشركات خلال النصف الأول من عام 2026 عن تفاوت واضح في هذه العناصر، ففي الوقت الذي حققت فيه مجموعة من الشركات نمواً قوياً في الأرباح والتدفقات النقدية، تعتمد شركات أخرى على سياسات توزيع محدّدة مسبقاً، بينما تتجه شركات إلى توزيعات استثنائية مرتبطة بقرارات رأسمالية منفصلة.
تبرز هذه المعطيات سؤالاً يتجاوز حجم التوزيعات الحالية: أي الشركات تملك مساحة مالية تسمح لها برفع العائد النقدي على المساهمين خلال الفترات المقبلة؟
سياسات واضحة
وتقدم شركات الطاقة التابعة لأدنوك نماذج واضحة لسياسات التوزيع المرتبطة بالنمو. فقد التزمت «أدنوك للغاز» بنمو سنوي للتوزيعات بنسبة 5% حتى 2030، فيما تستهدف الشركة توزيعات بنحو 3.762 مليار دولار لعام 2026.
وتدعم التدفقات النقدية هذه السياسة، إذ أعلنت الشركة عن توليد 572 مليون دولار من التدفق النقدي الحر خلال الربع الأول، مع وصول النقد والودائع قصيرة الأجل إلى 4.2 مليار دولار في نهاية الربع.
أما «أدنوك للحفر»، فأقرّت سياسة تقضي بزيادة التوزيعات السنوية بنسبة لا تقل عن 5% حتى 2030 على الأقل. وتبلغ توزيعات الشركة المستهدفة لعام 2026 ما لا يقل عن 1.05 مليار دولار، بما يعكس وجود إطار واضح لنمو العائد النقدي خلال السنوات المقبلة.
مساحة التوزيع
وفي «أدنوك للتوزيع»، ترتبط السياسة بشكل مباشر بمستوى الأرباح، إذ تستهدف الشركة توزيع 2.57 مليار درهم سنوياً، أو 75% من صافي الربح، أيهما أعلى، خلال الفترة 2024-2030، مع مراعاة احتياجات التشغيل والإنفاق الرأسمالي. وخلال النصف الأول من 2026، ارتفع صافي ربح الشركة 59% إلى 568 مليون دولار، بينما زاد EBITDA بنسبة 39% إلى 786 مليون دولار. وتعني هذه الآلية أن نمو الأرباح يمكن أن ينعكس على التوزيعات عندما تكون نسبة التوزيع مرتبطة بالربح، وإن كانت الشركة مطالبة في الوقت نفسه بالموازنة بين العائد النقدي، والإنفاق اللازم للحفاظ على النمو.
التدفقات النقدية
ويكتسب التدفق النقدي أهمية خاصة عند البحث عن قدرة الشركات على رفع التوزيعات، إذ لا يكفي ارتفاع صافي الربح وحده لتوفير السيولة اللازمة للدفع.
وتبرز «إي آند» في هذا الجانب، بعدما بلغ التدفق النقدي التشغيلي الحر، باستثناء رسوم التراخيص والطيف، 12.8 مليار درهم خلال النصف الأول، بزيادة 11.4%، بالتزامن مع ارتفاع الإيرادات 11.6% إلى 38.1 مليار درهم.
ورفعت المجموعة توزيعات النصف الأول إلى 47.5 فلس للسهم، بزيادة 10.5% على أساس سنوي.
وفي «دو»، ارتفعت توزيعات النصف الأول إلى 26 فلساً للسهم، بنمو 8.3%، بالتزامن مع نمو صافي الربح 12.6%.
وتوضح هذه الحالات أهمية الربط بين التوزيعات وبين النقد المتولد من النشاط، وليس الأرباح المحاسبية وحدها.
توزيعات مستقرة
وتنص سياسة «ديوا» على توزيع حد أدنى قدره 6.2 مليار درهم سنوياً، خلال السنوات الخمس الأولى، مع التوزيع على أساس نصف سنوي. واعتمدت الشركة توزيعات بقيمة 3.1 مليار درهم عن النصف الأول من 2026.
وفي «بروج»، بلغت التوزيعات المرحلية للنصف الأول 656 مليون دولار، بما يعادل 8.1 فلس للسهم، فيما أكدت الشركة توزيعات إجمالية لعام 2026 عند 16.2 فلس للسهم. وتعكس هذه الشركات نموذجاً مختلفاً، إذ تمنح سياسة التوزيع المعلنة المستثمرين رؤية أوضح بشأن الحد الأدنى للعائد النقدي، حتى مع اختلاف ظروف الأرباح والتدفقات النقدية، من فترة إلى أخرى.
توزيع استثنائي.. حالة مختلفة
أما «إعمار العقارية» فتقدم نموذجاً مختلفاً، بعدما وافق مجلس الإدارة خلال اجتماعه في سبتمبر/أيلول الجاري على توزيع أرباح نقدية استثنائية لمرة واحدة بقيمة 4.4 مليار درهم، بواقع 50 فلساً للسهم، إضافة إلى توزيعات الأرباح السنوية المعتادة، على أن يخضع القرار لموافقة الجمعية العمومية، والموافقات التنظيمية المطلوبة.
وسجلت الشركة صافي ربح عائد للمساهمين بلغ 11.1 مليار درهم خلال النصف الأول من 2026، ومبيعات عقارية بلغت 26.6 مليار درهم، فيما وصل رصيد الإيرادات المستقبلية من مبيعات العقارات إلى 164.9 مليار درهم، بنهاية يونيو.
لكن التوزيع الاستثنائي يختلف عن الزيادة المستمرة في التوزيعات، إذ يرتبط بقرار رأسمالي محدد ولا يعني بالضرورة تحولاً دائماً في مستوى المدفوعات السنوية.
30.4 مليار درهم.. نقطة البداية
وتكتسب هذه القراءة أهمية أكبر في ضوء التوزيعات النقدية التي أعلنتها الشركات الإماراتية خلال النصف الأول، والتي بلغت نحو 30.4 مليار درهم لـ26 شركة مدرجة.
لكن الرقم الإجمالي لا يكشف وحده عن قدرة الشركات على رفع توزيعاتها مستقبلاً؛ فهناك فارق بين شركة تدفع مبالغ كبيرة بفضل أرباح استثنائية، وأخرى تمتلك تدفقات نقدية متكررة وسياسة تصاعدية، وثالثة لديها أرباح قوية لكنها توجه جانباً كبيراً من مواردها إلى التوسع والإنفاق الرأسمالي.
من هنا، تصبح قراءة التوزيعات مرتبطة بأربعة عناصر رئيسية: نمو الأرباح، والتدفقات النقدية الحرة، ومستوى المديونية، وحجم الإنفاق الرأسمالي المطلوب للحفاظ على النمو.
الأرباح وحدها لا تكفي
تشير المقارنة بين الشركات إلى أن مساحة زيادة التوزيعات لا يمكن قياسها من التوزيع الحالي وحده. فالشركة التي تحقق نمواً مستداماً في الأرباح والتدفقات النقدية، مع احتياجات رأسمالية يمكن تمويلها من مواردها الداخلية، تختلف في وضعها المالي عن شركة تحقق أرباحاً مرتفعة لكنها تحتاج إلى استثمارات كبيرة، أو تواجه التزامات تمويلية مرتفعة، ووجود سياسة توزيع تصاعدية يوفر مؤشراً مختلفاً عن مجرد إعلان توزيعات مرتفعة لفترة، في حين تمثل التوزيعات الاستثنائية قراراً منفصلاً ينبغي عدم دمجه مع زيادة مستدامة في العائد النقدي. وبذلك، فإن السؤال الأهم في سوق الأسهم الإماراتية لم يعُد: من وزّع أكثر؟ فقط، بل أصبح: من يملك الأرباح والنقد والسياسة المالية التي تسمح له بتحويل جزء أكبر من نموه إلى توزيعات مستدامة للمساهمين؟