نقف اليوم على أعتاب واحدة من أكبر مراحل انتقال الثروات في التاريخ، إذ يُتوقع أن تنتقل تريليونات الدولارات من جيل إلى آخر خلال السنوات المقبلة، في تحول من شأنه إعادة تشكيل مشهد الشركات العائلية والثروات الخاصة. والسؤال الحقيقي لا يتعلق بموعد حدوث هذا التحول، بقدر ما يرتبط بالكيفية التي تختار بها العائلات إدارة هذه المرحلة بوعي وتخطيط.
وفي كثير من الأحيان، يُنظر إلى تعاقب الأجيال باعتباره إجراءً قانونياً أو مالياً يقتصر على نقل الأصول والمسؤوليات. إلا أن الإرث الحقيقي يتجاوز الأرقام، ويستند إلى القيم والرؤية والغاية الاستراتيجية.
وفي بنك سنغافورة، تشكل هذه الفلسفة أساس نهجنا في العمل مع العائلات. فنحن نؤمن بأن الثروة تمثل أكثر من مجرد رأس مال، إذ تجسد الشخصية والاستمرارية والإسهام. ويستند نهجنا إلى قيم تتقاطع مع ما تتبناه العديد من العائلات في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها التفكير طويل المدى، والتواضع، والمسؤولية المشتركة. ومن هنا، لا يقتصر دورنا على حفظ الثروات، بل يمتد إلى دعم بناء الإرث وترسيخ الغاية وضمان الاستمرارية على المدى الطويل.
من التعاملات إلى التخطيط الاستراتيجي.. تعاقب أكثر فاعلية
يتسم التخطيط الفاعل لتعاقب الأجيال بطبيعته ببعد استراتيجي، إذ يسهم في تعزيز تماسك العائلة، وتوضيح أطر الحوكمة، والحفاظ على الغاية المشتركة عبر الأجيال.
والعائلات التي تتعامل مع هذه المرحلة بوعي وتخطيط، من خلال مواثيق عائلية وقنوات ومنصات واضحة للتواصل وأطر محددة للحوكمة، تكون أكثر قدرة على بناء إرث يدوم عبر الأجيال.
وبصفتنا بنكاً خاصاً، يتمثل دورنا في توجيه العائلات خلال هذه العملية المعقدة، من خلال الجمع بين إدارة الثروات والتخطيط المنظم والدعم الاستشاري المستمر، بما يساعد على تحقيق انتقال سلس وإحداث أثر مستدام.
كما يتيح لنا وجودنا في مركز دبي المالي العالمي (DIFC) الاستفادة من منصة عالمية المستوى ومنظومة متكاملة من الخبرات القانونية والاستشارية والمتخصصة في الحوكمة، ما يمكننا من مساعدة العائلات على تصميم هياكل تستشرف التغيرات المستقبلية وتستعد لها، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل معها بعد وقوعها.
أولوية إقليمية
يحمل الجيل الجديد في المنطقة معه مجموعة من الأولويات المتجددة، تشمل الاستدامة وإحداث الأثر وتبني رؤية عالمية. فهو يسعى إلى قيادة الأعمال انطلاقاً من الغاية بقدر اهتمامه بتحقيق الأرباح.
وقد يتطلب ذلك التوفيق بين رؤى مختلفة داخل العائلة الواحدة، ما يجعل الحوار المنظم حول الأدوار والمسؤوليات والتطلعات أمراً أساسياً. وعندما تتم إدارة هذا الحوار بصورة فاعلة، فإنه يسهم في بناء الثقة والحفاظ على تماسك العائلات بما يتجاوز الاعتبارات المالية.
ويؤكد هذا التحول بين الأجيال أهمية التعامل مع تعاقب القيادة والثروة كأولوية إقليمية؛ إذ تشير الإحصاءات باستمرار إلى أن أقل من نصف الشركات العائلية تستمر حتى الجيل الثاني، فيما تنخفض النسبة أكثر عند الوصول إلى الجيل الثالث.
وفي الشرق الأوسط، لا تزال العديد من العائلات تفتقر إلى خطط رسمية لتعاقب الأجيال، إلا أن هذا الواقع بدأ يتغير. فمع تقاعد المؤسسين واشتداد المنافسة، يتزايد الإدراك بأن تعاقب الأجيال ليس حدثاً يقع مرة واحدة، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستمرارية.
مبادئ تصنع الفارق
البدء مبكراً: يؤدي تأجيل النقاش حول تعاقب الأجيال إلى زيادة المخاطر، في حين يساعد التخطيط المبكر العائلات على تحقيق قدر أكبر من الوضوح وبناء الثقة، بما يمهد لعملية انتقال أكثر سلاسة.
إشراك الجيل المقبل: لا يرتبط إعداد الورثة بالاستحقاق، وإنما بالجاهزية لتحمل المسؤولية. فالتعليم والإرشاد واكتساب الخبرات الخارجية لا تقل أهمية عن التعرف إلى آليات العمل داخل مجالس الإدارة.
الاستعانة بالخبرات المتخصصة: مع تزايد تعقيدات تعاقب الأجيال وإدارة الثروات، تتجه العائلات بصورة متزايدة إلى المستشارين للحصول على التوجيه اللازم. وقد يشمل التخطيط المتكامل عدداً من الخطوات، من بينها:
- وضع دستور عائلي يوثق القيم وأطر الحوكمة والسياسات.
- إنشاء هياكل للحوكمة، مثل مجالس العائلة والمجالس الاستشارية.
- تأسيس مكتب عائلي أحادي (Single-Family Office – SFO) لتوحيد استراتيجية الاستثمار والإدارة.
- تنويع الاستثمارات عبر القطاعات والأسواق الجغرافية برؤية استراتيجية بعيدة المدى.
- تصميم هياكل مثلى للثروة من منظور الضرائب والتخطيط لتعاقب الأجيال.
- تطوير أطر واضحة لتسوية النزاعات.
مرحلة مفصلية للعائلات في الشرق الأوسط
أتاحت التطورات الأخيرة في المنطقة، ومنها استحداث المؤسسات (Foundations) والصناديق الاستئمانية (Trusts) في كل من سوق أبوظبي العالمي (ADGM) ومركز دبي المالي العالمي (DIFC)، أدوات جديدة تساعد العائلات على هيكلة ثرواتها وحوكمتها بما يتناسب مع طبيعتها وتطلعاتها الخاصة.
ولا تقتصر أهمية هذه الأدوات على كونها آليات قانونية، بل تمثل وسائل لتعزيز قدرة العائلات على الصمود والاستمرار.
سيختبر العقد المقبل مدى قدرة العائلات على تحقيق التوازن بين الحفاظ على التقاليد وتبني التجديد. أما العائلات التي تنظر إلى تعاقب الأجيال باعتباره فرصة لتحديد قيمها وتوثيقها، وتعزيز هياكل الحوكمة، وتمكين الجيل المقبل، فلن تتمكن من حماية ثرواتها فحسب، بل ستنجح أيضاً في بناء إرث مستدام من القيادة والتأثير المجتمعي.