رفض البابا ليو الرابع عشر، الاثنين، أي عنف يُرتكب باسم الدين، في أول خطاب له في ميتز، المحطة الثالثة والأخيرة من زيارته لفرنسا، خلال يوم يُتوقع أن يطغى عليه البعد الأوروبي بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وقال الحبر الأعظم خلال لقاء بين الأديان: «إن استحضار اسم الله لإضفاء الشرعية على العنف، أو القمع هو تدنيس لهذا الاسم».
ودعا ماكرون، الاثنين، أوروبا إلى استعادة «شجاعة آبائها المؤسسين» وعدم الاستسلام لـ«الانكفاء» و«عودة النزعات القومية»، خلال لقاء بحضور البابا بشأن البناء الأوروبي والسلام في ميتز.
وقال في اليوم الأخير من زيارة البابا لفرنسا: «هنا ينبض قلب أوروبا منذ ألف عام، أوروبا التي تحمي وتوحّد وتتحرك. أوروبا ذات سيادة وديمقراطية، يحملها مشروع السلام والازدهار هذا. أوروبا التي يجب أن تستعيد شجاعة مؤسسيها. الشجاعة لعدم الاستسلام للانكفاء وكراهية الآخر وعودة النزعات القومية التي تفرّق».
وقبيل اللقاء، اعتبر سيدي عمر بن عائشة، نائب رئيس المسجد الكبير في ميتز أن استقبال البابا «شرف». وقال: «هنا أناس من جميع الديانات، وكل الطوائف مجتمعة، وهذا يسير عكس الأجواء السائدة في فرنسا مع الأطراف السياسية المتطرفة».
ويختتم رأس الكنيسة الكاثوليكية التي يبلغ عدد أتباعها 1.4 مليار نسمة، زيارته التي استمرت أربعة أيام بمحطة في ميتز، وهي مدينة تقع في شمال شرق فرنسا وتناوبت السيطرة عليها مراراً بين فرنسا وألمانيا خلال نزاعات سابقة.
وترتبط المدينة ارتباطاً وثيقاً بروبرت شومان، الذي يُعد أحد الآباء المؤسسين للاتحاد الأوروبي، ويقع قبره على مشارف ميتز.
ويحضر ماكرون القداس الذي يترأسه البابا، الاثنين، في ميتز، ويشارك في مراسم مغادرة الحبر الأعظم فرنسا، حسبما أعلن قصر الإليزيه.
وأوضح الإليزيه أن «رئيس الجمهورية يشارك في مراسم مغادرة البابا ليو الأراضي الفرنسية»، مضيفاً أنه «أعاد تنظيم جدول أعماله ليتمكن أيضاً من حضور القداس الذي يسبق المراسم في كاتدرائية سانت إتيان في ميتز».
وتأتي رسالة البابا قبل سبعة أشهر من انتخابات رئاسية في فرنسا، تسعى خلالها قوى اليمين المتطرف المشككة في جدوى المؤسسات الأوروبية، والمعارضة للهجرة، للوصول إلى السلطة.
ويرى البابا في أوروبا ثقلاً موازناً للقوى العالمية الكبرى، وسبق له أن دعا الاتحاد الأوروبي إلى تجاوز التوترات واستعادة الوحدة سعياً إلى تحقيق السلام في أوكرانيا وخارجها.
وفي مدينة ميتز، أثارت زيارة البابا أجواء حماسية؛ إذ امتلأت الفنادق بالكامل، وارتفعت الحجوزات في المطاعم بشكل كبير. وأكد أسقف ميتز فيليب بالو أن الزيارة تحمل دلالة رمزية قوية، موضحاً أن المدينة تشكلت على خلفية «ثلاث حروب، من بينها حربان عالميتان».
«استعدادات هائلة»
وفي هذه المنطقة الحدودية التي طبعتها الحروب، ويرقد فيها روبير شومان (1886-1963)، أحد الآباء المؤسسين لأوروبا، والذي عُرف بتديّنه، يُتوقع أن يدعو البابا ليو في ختام زيارته الأولى لفرنسا، أوروبا إلى استعادة الأسس التي قامت عليها لإحلال السلام في القارة.
والمتنقل بسيارته المكشوفة (بابا موبيلي) في شوارع ميتز، ترأس القداس في كاتدرائية سانت إتيان التي تُعد جوهرة في فن العمارة القوطية. وقالت الفرنسية آن بادوريك: «إن حجم الاستعدادات هائل».
وشملت تلك الإجراءات عملية تفتيش أمني واسعة شارك فيها خبراء متفجرات نزلوا بالحبال من واجهة الكاتدرائية عشية الزيارة.
وقالت فلورانس بريور، وهي سيدة تبلغ 45 عاماً، عند مدخل مركز روبير شومان للمؤتمرات: «هذا يومه الرابع في فرنسا، ونرى أن شيئاً ما تغيّر في الأجواء. كثيراً ما يُقال لنا إننا كثيرو التذمر، لكننا نرى الآن مزيداً من الود والفرح».
وأثارت الزيارة البابوية الرسمية الأولى إلى فرنسا منذ حوالي عقدين حماسة وحرارة بين الفرنسيين؛ إذ احتشد أكثر من 1.3 مليون شخص لتحية البابا في باريس، ومدينة لورد بين يومي الجمعة والأحد، بحسب الفاتيكان.
وفي أبرز محطات زيارته، عبر البابا السبت في سيارته شارع الشانزليزيه، وترأس قداساً حضره نحو 800 ألف شخص، وتحول وسط باريس، الذي خضع لإجراءات أمنية مشددة، إلى مكان مفتوح للعبادة.
وطوال رحلته بدا الحبر الأعظم مبتسماً وودوداً وكان يتفاعل بعفوية مع الحشود، ويبارك الأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة.
وقالت كاثرين إرنست من مدينة ستراسبورغ: إن ليو «يبدو شخصاً يسهل التواصل معه بشكل متزايد، وهو أمر نادر جداً بالنسبة للبابا».
وإلى جانب لقاء أفراد، استغل البابا زيارته لتأكيد الأولويات الرئيسية لحبريته، فدعا إلى السلام والتعايش، وحذّر من فقدان الجوهر الإنساني في ظل «جنة الآلات» مع تقدم الذكاء الاصطناعي.
وفي قصر الإليزيه، الجمعة، حثّ فرنسا على البقاء رائدة في مجال السلام، كما قال خلال لقاء مع المهاجرين السبت بأنه من الممكن «العيش معاً بكرامة وسلام».
وفي مدينة لورد، وهي مزار للحجاج، التقى البابا الأحد بعدد من ضحايا انتهاكات ارتكبها رجال دين، وحثّ الأساقفة الفرنسيين على محاربة هذه «الآفة».
كما شدد على أن الموت بمساعدة طبية ليس أمراً «طبيعياً»، وذلك في أعقاب إقرار البرلمان الفرنسي لهذا الإجراء هذا العام لمرضى معينين.