بمناسبة اليوم العالمي للقلب، يسلط أطباء قلب إماراتيون في مدينة برجيل الطبية بأبوظبي، الضوء على أهمية الوقاية والتشخيص الدقيق والتدخلات العلاجية المتقدمة والرعاية التخصصية المتكاملة، ودورها في مساعدة المرضى على اتخاذ خطوات مبكرة لحماية صحة قلوبهم.
لا تبدأ أمراض القلب دائماً بحالة طارئة؛ فقبل وقت طويل من الشعور بألم شديد في الصدر أو التعرض لتدهور صحي يستدعي التوجه إلى المستشفى، قد تكون أمراض القلب والأوعية الدموية قد بدأت بالفعل في التطور بصمت، ويمكن لعوامل الخطورة القلبية الوعائية أن تتراكم تدريجيًا، لا سيما لدى الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع ضغط الدم، أو السكري، أو ارتفاع مستويات الكوليسترول، أو السمنة، أو قلة النشاط البدني، أو التعرض للتبغ، أو وجود تاريخ عائلي للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
ومن هنا، تبدأ رحلة الرعاية الحديثة للقلب والأوعية الدموية قبل حدوث أول أزمة قلبية كبرى، من خلال فهم عوامل الخطورة، والكشف المبكر عن المرض، وربط المريض بالخبرات الطبية المناسبة في الوقت المناسب.
وبمناسبة اليوم العالمي للقلب، يؤكد أطباء القلب في مدينة برجيل الطبية أن حماية القلب لا تقتصر على التعامل مع الحالات الطارئة، بل تقوم على منظومة متكاملة تجمع بين الوقاية، والتعرف المبكر على الأعراض، والتشخيص الدقيق، والعلاج في الوقت المناسب، ضمن مسار متواصل للرعاية.
وقال الدكتور عبدالمجيد الزبيدي، استشاري أمراض القلب التداخلية: "من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً الاعتقاد بأن الإنسان يجب أن يشعر بالمرض قبل أن يبدأ في التفكير بصحة قلبه، فارتفاع ضغط الدم والسكري وارتفاع الكوليسترول يمكن أن تؤثر في الجهاز القلبي الوعائي لسنوات من دون ظهور أعراض واضحة".
الكشف المبكر عن أمراض القلب
يُعدّ التطور في القدرة على تقييم القلب والأوعية الدموية بدرجة عالية من الدقة أحد أبرز الإنجازات في طب القلب الحديث، وتوفر تقنيات تخطيط صدى القلب، والتصوير المقطعي المحوسب للقلب، والتصوير بالرنين المغناطيسي للقلب، وتصوير القلب بالطب النووي، إجابات عن أسئلة سريرية مختلفة، ما يتيح للأطباء تقييم بنية القلب ووظائفه، وفحص الشرايين التاجية، وتقييم صمامات القلب، ودراسة خصائص عضلة القلب، وتحليل تدفق الدم، لكن الهدف لا يتمثل في إجراء المزيد من الفحوصات فحسب، إذ تكمن القيمة الحقيقية للتصوير المتقدم في اختيار الفحص المناسب للمريض المناسب، والاستفادة من نتائجه في توجيه القرار السريري التالي.
وفي هذا الصدد يقول الدكتور يوسف العطار، استشاري أمراض القلب ورئيس القسم:"يمكننا تحديد موضع المشكلة، وتقييم مدى أهميتها، وفهم تأثيرها في القلب، وهذا يساعدنا على اتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن الخطوة التالية التي يحتاج إليها المريض، سواء كانت الطمأنة والمتابعة، أو العلاج الدوائي، أو إجراء المزيد من الفحوصات، أو التدخل العلاجي".
ويعكس هذا النهج تحولًا أوسع في طب القلب والأوعية الدموية، يقوم على إدراك أن التكنولوجيا تحقق أكبر قيمة لها عندما تتكامل مع التقييم السريري والخبرات الطبية متعددة التخصصات.
وفي مدينة برجيل الطبية، يجمع برنامج القلب والأوعية الدموية بين خدمات الوقاية وأمراض القلب العامة، ورعاية قصور القلب، والتصوير المتقدم للقلب والأوعية الدموية، وأمراض القلب التداخلية، والفيزيولوجيا الكهربائية للقلب وخدمات أجهزة القلب المزروعة، إلى جانب طب قلب الأطفال، حيث يهدف البرنامج إلى توفير مسار رعاية متكامل ومنسق، ينتقل من خلاله المرضى من الوقاية والتشخيص إلى التدخل العلاجي والمتابعة طويلة الأمد، وفقًا للاحتياجات الفردية لكل مريض.
عندما تكون كل دقيقة حاسمة
تُعد الوقاية والتشخيص المبكر عنصرين أساسيين في حماية صحة القلب، إلا أن بعض الحالات القلبية تتطلب تدخلاً فورياً، فعند حدوث النوبة القلبية، قد ينخفض تدفق الدم عبر أحد الشرايين التاجية بصورة حادة أو يتوقف تمامًا، وكلما طالت مدة حرمان عضلة القلب من الأكسجين، زاد خطر حدوث تلف لا يمكن عكسه، وبالنسبة للمرضى المصابين باحتشاء عضلة القلب الحاد المصحوب بارتفاع مقطع ST، المعروف اختصاراً بـ«STEMI»، يمكن للتدخل التاجي الأولي عبر القسطرة «PCI» إعادة تدفق الدم عبر الشريان المسدود، وعادةً ما يتم ذلك باستخدام البالون والدعامة، ويُعد التعرف السريع على الحالة وبدء العلاج عاملين أساسيين للحد من تلف عضلة القلب والحفاظ على وظائفه.
وقال الدكتور علاء سعيد، استشاري أمراض القلب التداخلية: "في حالات النوبات القلبية، يؤثر عامل الوقت بشكل مباشر في مقدار عضلة القلب التي يمكن إنقاذها، وينبغي للأشخاص عدم انتظار زوال ألم الصدر الشديد أو محاولة التعامل معه في المنزل، فكلما تم اكتشاف انسداد الشريان وعلاجه في وقت مبكر، زادت فرصة الحد من الضرر والحفاظ على وظائف القلب".
ولم يعد دور أمراض القلب التداخلية مقتصرًا على العلاج الطارئ للنوبات القلبية، إذ تُستخدم تقنيات القسطرة اليوم لعلاج حالات متزايدة التعقيد من أمراض الشرايين التاجية وبعض أمراض القلب البنيوية، ما يتيح للمرضى الذين تنطبق عليهم المعايير المناسبة تلقي العلاج عبر أساليب طفيفة التوغل.
إختلال النظام الكهربائي للقلب
لا تبدأ جميع مشكلات القلب في الشرايين التاجية، إذ تعتمد كل نبضة قلب على نظام كهربائي دقيق ومنسق، وعندما تصبح هذه الإشارات غير طبيعية، قد ينبض القلب بسرعة كبيرة، أو ببطء شديد، أو بصورة غير منتظمة، وهي حالات تُعرف مجتمعة باسم اضطرابات نظام القلب، ويُعد خفقان القلب من الأعراض الشائعة، ولا يشير دائمًا إلى وجود مرض خطير، ومع ذلك، فإن تكرار نوبات الخفقان، لا سيما عندما تكون مصحوبة بالإغماء، أو الدوار، أو الشعور بعدم الراحة في الصدر، أو ضيق التنفس، أو ظهور الأعراض أثناء بذل مجهود، يستدعي التقييم الطبي.
وعلق الدكتور عمر الفلاسي، استشاري أمراض القلب والفيزيولوجيا الكهربائية للقلب، على هذا الموضوع قائلاً: "غالبًا ما يصف الأشخاص الخفقان بأنه تسارع في ضربات القلب، أو رفرفة، أو الشعور بتخطي نبضة، إلا أن هذه الأحاسيس قد تعكس اضطرابات مختلفة جدًا في نظام القلب، والخطوة الأولى هي تحديد ما يحدث في القلب بدقة، لأن العلاج يعتمد على نوع اضطراب النظم والحالة الصحية العامة للمريض".
وتتيح التطورات في مجال الفيزيولوجيا الكهربائية للقلب للأطباء المتخصصين رسم خريطة للمسارات الكهربائية داخل القلب، واستهداف الدوائر الكهربائية غير الطبيعية لدى بعض المرضى من خلال الاستئصال بالقسطرة، كما يمكن للأجهزة القابلة للزرع، مثل أجهزة تنظيم ضربات القلب وأجهزة مزيل الرجفان القلبي القابلة للزرع، أن تساعد في التعامل مع بطء نظم القلب أو حماية المرضى المعرضين لخطر اضطرابات النظم الخطيرة.
وأضاف الدكتور الفلاسي:"يمكن اليوم التعامل بفاعلية مع العديد من اضطرابات نظم القلب بمجرد تشخيصها بالشكل الصحيح، وينبغي للمرضى عدم تجاهل الخفقان المتكرر، خصوصًا عندما يكون مصحوبًا بالإغماء أو الشعور بعدم الراحة في الصدر أو ضيق التنفس".
التعرف على قصور القلب
لا تقل أهمية التشخيص المبكر في حالات قصور القلب، فعلى الرغم من التسمية، لا يعني قصور القلب أن القلب قد توقف عن العمل، وإنما يشير إلى حالة لا يستطيع فيها القلب ضخ الدم بالكفاءة الكافية، أو الامتلاء بالدم بصورة طبيعية بما يكفي لتلبية احتياجات الجسم، وقد تشمل الأعراض ضيق التنفس، وتورم الساقين أو الكاحلين، والإرهاق المستمر، وانخفاض القدرة على ممارسة النشاط البدني، وصعوبة التنفس عند الاستلقاء، ونظرًا إلى أن هذه التغيرات قد تتطور تدريجيًا، فقد يقلل المرضى مستوى نشاطهم من دون أن يدركوا ذلك، أو ينسبوا الأعراض إلى التقدم في العمر أو ضعف اللياقة البدنية، بدلًا من إدراك احتمال وجود مشكلة قلبية كامنة، ويساعد طلب التقييم الطبي عند استمرار هذه الأعراض على تحديد السبب وبدء العلاج قبل أن تتفاقم الحالة بصورة أكبر.
يشهد طب القلب والأوعية الدموية مرحلة من التطور غير المسبوق في مستوى الدقة؛ إذ أصبح التصوير المتقدم قادراً على توصيف الأمراض بتفاصيل دقيقة، فيما تتيح الإجراءات القائمة على القسطرة علاج حالات كانت تتطلب في السابق جراحات كبرى، كما تُمكّن تقنيات الفيزيولوجيا الكهربائية الأطباء من رسم خريطة للنشاط الكهربائي للقلب، في حين تستطيع الأجهزة المتطورة القابلة للزرع مراقبة بعض المرضى وحمايتهم على المدى الطويل، ومع ذلك، فإن بعضًا من أهم الفرص لحماية صحة القلب تبدأ في مرحلة أبكر بكثير، من خلال معرفة مستويات ضغط الدم، ومراقبة سكر الدم والكوليسترول عند الحاجة، والحفاظ على النشاط البدني، والوزن الصحي، وتجنب التبغ، ومعرفة التاريخ العائلي للأمراض، وعدم تجاهل الأعراض المستمرة أو غير المبررة.
وقد تشير بعض الأعراض إلى حدوث نوبة قلبية، خصوصًا الضغط أو الانزعاج المستمر في الصدر، ولا سيما عندما يكون مصحوبًا بضيق التنفس أو التعرق أو الغثيان أو ألم يمتد إلى الذراع أو الكتف أو الظهر أو الفك، وهي أعراض تستدعي طلب الرعاية الطبية العاجلة، ومن هنا، فإن مستقبل طب القلب والأوعية الدموية لا تحدده التكنولوجيا وحدها، بل تكمن إمكاناته الأكبر في ربط الوقاية، والتعرف المبكر على الأعراض، والتشخيص الدقيق، والعلاج المتقدم، والمتابعة طويلة الأمد ضمن مسار واحد متواصل للرعاية.
واختتم الدكتور يوسف العطار قائلًا:" إن أكبر فرصة أمامنا في رعاية القلب والأوعية الدموية لا تتمثل فقط في تحسين علاج الأمراض، وإنما في الوقاية منها، واكتشافها في مراحل مبكرة، وضمان حصول كل مريض على التدخل المناسب في الوقت المناسب".
لحجز موعد، يرجى الاتصال على الرقم 80023، أو مسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code)، أو الحجز عبر تطبيق برجيل هيلث.