عندما توجّه روسيا تحذيراً «سرّياً» إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) من أنها ستلجأ إلى استخدام السلاح النووي لحماية جيب كالينيغراد، المطل على بحر البلطيق إذا تعرض لأي «عدوان غربي»، فهذا يعني أن الأسوأ يمكن أن يحدث بسبب استمرار الأزمة في أوكرانيا، وينذر بتحول منطقة بحر البلطيق إلى نقطة صدام مباشر لا يمكن التنبؤ بتبعاته.
هذا التحذير الخطِر نقلته وثيقة روسية غير رسمية أُرسلت إلى «الناتو»، وتضمنت اتهاماً للحلف باتباع «مسار خطِر ومتهور»، وأكدت أن موسكو «ستكون مستعدة لاستخدام كامل ترسانة القوات والقدرات الموجودة تحت تصرفها، بما في ذلك الأسلحة النووية»، في حال محاولة عزل كالينينغراد. وفي ظل التدهور، الذي تشهده العلاقة بين روسيا والقوى الغربية والاشتباك المتواصل بينهما في أوكرانيا، يعكس هذا التلويح النووي غير المسبوق مخاوف جدية من أن يدخل الصراع فصلاً جديداً وقاسياً من المواجهة على حافة الهاوية التي قد ينزلق إليها الجميع بسبب سوء تقدير أو إنذار خاطئ أو تضليل بالذكاء الاصطناعي.
رغم اللقاءات الباردة، التي جمعت في نيويورك وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعدد من نظرائه الغربيين، إلا أن التوتر بين موسكو ودول أوروبية تجاوز كثيراً من الخطوط الحمر، وسط اتهامات لروسيا بتصعيد الحرب في القارة بكل الوسائل، رداً على الدعم النوعي، الذي باتت أوروبا تقدمه لأوكرانيا وسمح لها بشنّ هجمات دقيقة ومكثفة طالت منشآت حيوية وقواعد عسكرية داخل الأراضي الروسية، مما دفع موسكو إلى مراجعة شاملة لخطوطها الدفاعية وقواعد اشتباكها التقليدية.
وبسبب هذا التدخل الأوروبي غير المباشر، أصبح الصراع بين موسكو وكييف حرب استنزاف واسعة النطاق، وهو ما دفع بالمسؤولين الروس، في أكثر من مناسبة، إلى التحذير من أن الدعم الغربي المتزايد قد يمتد ليشمل محاولات تضييق الخناق على مصالحها الاستراتيجية في مناطق أخرى خارج أوكرانيا ومنها جيب كالينيغراد، المحاصر جغرافياً بين دولتين عضوين في «الناتو» هما بولندا وليتوانيا، ويمثل لروسيا خط دفاعها الأمامي وقاعدة متقدمة لترسانتها الصاروخية المتطورة.
رغم حماس بعض الأوروبيين لتصعيد الصراع في أوكرانيا، إلا أن قادة آخرين يبدون مخاوف عميقة من الانزلاق نحو مواجهة مباشرة قد لا تحمد عقباها. ويرى رئيس الوزراء البلغاري رومن راديف أن على أوروبا أن تتحاور مع روسيا لوضع حدّ للحرب في أوكرانيا، مع الأخذ في الحسبان «الخطر» المرتبط بالنووي، معتبراً أن الدعم العسكري لأوكرانيا لن يكون كافياً، في وقت لم تعد قادرة على حماية أراضيها من الضربات الروسية. ومثل هذه الرؤية، التي يتبناها راديف، تنطلق من قراءة ميدانية ترى أن الاستمرار في ضخ الأسلحة إلى كييف دون أفق سياسي لن يقود إلى حسم عسكري، بل سيزيد من وتيرة الدمار والأثمان البشرية والاقتصادية، وقد يزج بالقارة العجوز في حرب نووية لا يتمناها أحد في هذا العصر.