يناقش كتاب «ماكس فيبر.. الشغف بالتفكير» لمؤلفه يواخيم رادكاو (ترجمة خليل الشيخ) شخصية فيبر الموسوعية التي «قطفت من بستان كل علم وردة» ويتعرض لمرضه المبكر الذي لازمه طوال حياته، لكنه لم يقعده عن التطور العلمي، ويعرض لحياته السياسية، كما يسلط الضوء على العلوم التي كتب فيها ببراعة، ويعقد مقارنة بينه وبين علماء عاصروه وسبقوه.
سمى المؤلف هذه السيرة «الشغف بالتفكير» لما يشكله الشغف في شخصية فيبر نفسه خلال انغماسها في الحياة، وعظمة فيبر تتجلى في أن أعظم منجزاته العلمية ولدت في ظلال المرض الذي أصابه في سن مبكرة، وظل ملازماً له حتى آخر حياته، مع ما صاحبه من إحباط واكتئاب، وعلى الرغم من ذلك، ظل مقبلاً على بث العلم، متسلحاً بشغف «التفكير» حتى تحولت حياته إلى سجالات و«معارك» فكرية مع مفكري عصره ومثقفيه.
*حضور
أظهر رادكاو في كتابه حضور المفكر الألماني القوي وانتشار أفكاره، ليس في ألمانيا فحسب، بل في الغرب قاطبة، على الرغم مما كان يعانيه من مشكلات جسدية ونفسية، وعند مقارنته بكارل ماركس، يبين المؤلف أن فيبر بقي حاضراً رغم انعدام حزب يتبنى أفكاره.
يبين رادكاو أن نشأة فيبر أثرت كثيراً في شخصيته، وكانت علاقته بأبيه متوترة على الدوام، وقضى الأب نحبه في إثر سجال عنيف دار بينهما، قبل أن يتمكن الابن من مصالحته. أما علاقته بأمه، فكانت أكثر توافقاً، وإن لم تخلُ من صراع.
يتوقف المؤلف في كتابه عند السجل المرضي لهذه الأسرة في ضعف الأعصاب والاضطراب النفسي، وكيف أن أم فيبر خافت، عند إصابته بالتهاب السحايا في طفولته، من تبلده على المستوى العقلي، إلا أن فيبر فاجأ ألمانيا والأوروبيين بفكره الموسوعي، وهو أمر ينطوي على شهادة حية عن التفريق بين بعدين: تاريخ الجسد، وتاريخ الفكر، إذ يتوقف عند التحولات التي أصابت نشاط فيبر العلمي في إثر وهن جسده بسبب المرض مبكراً، وكيف أنه اضطر إلى الحد من دروسه الجامعية، ليتوقف عن التدريس، ثم عن كرسي الأستاذية.
يتوقف المؤلف عند ما أسماه «ذروة التجربة البدنية» عند فيبر، يوم ذهابه إلى الخدمة العسكرية، التي أثرت في تكوينه الجسدي بالتدريب، والتدريب النفسي الذي لمس في رسائله إلى أمه، التي احتوت على كثير من السخرية من تجربة الجيش، وشعور بالمتعة والخوف من ضياع الوقت، لكنها كانت تجربة محدودة التأثير.
كانت أطروحته للدكتوراه من جامعة برلين عن الشركات التجارية في العصر الوسيط، وأطروحته للأستاذية عن التاريخ الزراعي للإمبراطورية الرومانية، وأنجز أيضاً دراسة مسحية عن العمال الزراعيين في شرق الألب، وإلى جانب التجارة والزراعة، شغل كرسي الاقتصاد السياسي في جامعة فرايبرغ، وأضاف إلى هذه العلوم الثلاثة علماً رابعاً هو علم الاجتماع.
تتبع المؤلف سجالات فيبر السياسية مع القيصر والنظام القيصري أيام الحرب العالمية الأولى، التي ظهر في كتاباته خلالها مصطلحا «البيروقراطية» و«الكاريزما» وتوجه واضح في الكتابة عن سوسيولوجيا الحكم والسيطرة وسوسيولوجيا الدين، وتتبع كذلك كتاب فيبر الشهير «الاقتصاد والمجتمع» الذي أسس فيه سوسيولوجيا شاملة لمظاهر النشاط الاجتماعي وسيرورتها نحو العقلانية.
على الرغم من أن فيبر لم يكن يؤمن بالتفسير المادي للتاريخ، فإن المؤلف يقيم مقارنة بينه وبين كارل ماركس، بتخيل حوارات يجريها فيبر مع ماركس، ومع غيره من الفلاسفة والمفكرين، في دراسة لجوانب التفكير الاجتماعي لدى فيبر ورؤيته العلمية القاضية بضرورة خضوع عالم الاجتماع لقوانين صارمة تشبه قوانين العلم الطبيعي، من دون التبسيط العلمي الذي كان أوغست كونت ينادي به.
يدحض المؤلف القول بأن نظريات فيبر الاجتماعية استثمرت أثناء الحكم النازي لمصلحة مفهوم «الزعيم الكاريزمي» وأرهصت بقدوم أدولف هتلر، وناقش السجال النقدي الذي دار حول ماكس فيبر في الولايات المتحدة الأمريكية، بعدما ترجمه المهاجرون الألمان من الأكاديميين الرافضين للحكم النازي إلى الإنجليزية، وكذا الموقف السلبي لنقاد مدرسة فرانكفورت في الولايات المتحدة– كهربرت ماركيوز- من كتابات فيبر.