صَدَعَ
صَدَعَ (بِفَتْحِ الدّالِ) الشَّيْءُ يَصْدَعُ (بِفَتْحِ الدّالِ) صَدْعاً وصُدوعاً، وصَدَعاً: أي بمعنى انْشَقَّ.
وهذه من المفردات الحية الممتدة عبر العصور في اللغة العربية حيث سجلت حضورها في فترات زمنية متعاقبة حتى عصرنا الحالي، ونجد في المعجم دليلاً على ذلك في عصر ما قبل الإسلام، في قول مُضاض بن عَمْرو الجُرْهُمِيّ يَتَغَزَّلُ:
رُقَيَّةُ قَلْبي قَدْ تَبايَنَ صَدْعُهُ
ولِلحُبِّ مِنّي شاهِدٌ ودَليلُ
وفي العصر الإسلامي، قالَ لَبيدُ بنُ رَبيعَةَ يَرْثي أخاهُ أَرْبَدَ:
يا مَيَّ قُومي في المَآتِمِ وانْدُبي
فَتًى كانَ مِمَّنْ يَبْتَني المَجْدَ أرْوَعا
وقولي: ألا لا يُبْعِدُ اللهُ أرْبَدًا
وهَدّي بِهِ صَدْعَ الفُؤادِ المُفَجَّعا
وفي العصر العباسي أيضاً نجد شاهداً في قول ابن قتيبَةَ في كتاب «غريب الحديث»:
«فَإِنَّهُ يُقالُ: صَدَعْتُ الزُّجاجَةَ فَصَدَعَتْ، كَما يُقالُ جَبَرْتُ العَظْمَ فَجَبَرَ».
وقد استمرت المفردة حتى العصر الحديث، وعلى ذلك شاهد من قول عبد الغَفّارِ الأَخْرَس يَمْدَحُ عبد الغني جميل:
إِذا بَذَلَ النَّدى قالَتْ عُلاهُ
لِكَسْبِ الحَمْدِ يُدَّخَرُ الحُطامُ
فَلِلْأَمْوالِ فيما يَقْتنيهِ
صُدوعٌ ما هُنالِكَ والْتِئامُ
غَرِمَ
يقال غَرِمَ الدَّيْن أو الدِّيَة ونَحْوَهُما: أي بمعنى لَزِمَهُ أداؤُهُ، ولَمْ يَكُنْ قَبْلَ لُزومِهِ واجِباً عَلَيْهِ.
وقد استخدمت المفردة في لغة العرب منذ عصور ما قبل الإسلام، ونجد في المعجم التاريخي للغة العربية بيان ذلك في قول عامِر بْن الظَّرِبِ يُخاطِبُ قَوْمَهُ:
«خُذوا الرَّأْيَ إذا سَمِعْتُموهُ مِنْ أَصْغَرِكُمْ سِنّاً وأَقَلِّكُمْ قَدْراً... وأُوصيكُمْ بِالحُلَفاءِ خَيْراً ولا تُغْرِموهُمْ، واغْرَموا مَعَهُمْ في ناديهِمْ، فإنَّهُمْ لَكُمْ سُيوفٌ ما داموا فيكُمْ «.
وقد استمر معنى واستخدام المفردة في العصر الإسلامي، ومن ذلك قول النَّبِيُّ:
«إِنَّ الرَّجُلَ إذا غَرِمَ، حَدَّثَ فَكَذَبَ، ووَعَدَ فأَخْلَفَ».
وقالَ حَمَلُ بْنُ مالِكِ بْنِ النّابِغَةِ للنَّبِيِّ، حينَ قَضى على مُوَلِّيَتِهِ بدِيَةِ جَنينٍ قَتَلَتْهُ:
«كَيْفَ أَغْرَمُ يا رَسولَ اللهِ مَنْ لا شَرِبَ ولا أَكَلَ، ولا نَطَقَ ولا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ».
وامتد استخدام المفردة إلى عصر الدول والإمارات، وعلى ذلك شاهد في قول العِزّ بْن عَبْدِ السَّلامِ في مَطْلِ الغَنِيِّ:
«وإثْمُهُ أَعْظَمُ مِنْ إثْمِ المِطالِ المُجَرَّدِ، لِما فيهِ مِنْ تَعْطيلِ المُدَّعِي بِانْطِلاقِهِ إلى الحاكِمِ ومُثولِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وبِما يَغْرَمُهُ لِأَعْوانِ الحَاكِمِ على الإحْضارِ».
ثم حافظت المفردة على حضورها حتى العصر الحديث، ولاتزال تستخدم في العديد من اللهجات المحلية، ومن شواهد العصر الحديث قول ابْن عَرَفَةَ الدُّسوقِيّ في أحْكامِ ضَمانِ الصَّداقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إذا وَقَعَ طَلاقٌ بَيْنَهُما:
«وإنْ كانَ قَدْ طَلَّقَ قَبْلَ البِناءِ لَزِمَ لَها نِصْفُ الصَّداقِ إنْ ضاعَ بِيَدِهِ، وإنْ كانَ بِيَدِهَا غَرِمَتْ لَهُ نِصْفَ القِيمَةِ أَوْ نِصْفَ المِثْلِ».
نَبَرَ
يقال نَبَرَ فُلانٌ: أي بمعنى رَفَعَ صَوْتَهُ، وانتقل به من الخفض إلى الارتفاع.
وهي من المفردات العربية التي قلّ تداولها في الاستعمال المعاصر، حتى غدت أقرب إلى الألفاظ التي تستوقف القارئ حين ترد في نص حديث، وهذا ما يعلل قلة شواهدها في المعجم، حيث يسجل المعجم أقدم ظهور لهذا المعنى في العصر العباسي، وذلك في قول أبي نَصْرٍ الجَوْهَريُّ في الصحاح:
«ونَبْرَةُ المُغَنّي: رَفْعُ صَوتِهِ عَنْ خَفْضٍ».
وأيضاً في قول المَعَرّي في أحد أبياته في الحِكْمَة:
نُقَضّي وقْتَنا بِغِنًى وعُدْمٍ
ونُنْفِقُ لَفْظَنا هَمْساً ونَبْرا
وأما في العصر الحديث فنجد استخداماً لهذه المفردة، وعلى ذلك شاهد في قول عَبْد الرَّحمَن مُنيف يَصِفُ كَلامَ إحْدى شَخْصيّاتِ روايَةِ «مُدُنُ المِلْحِ»:
«تَحَرَّكَ في كُرْسِيِّهِ، بَدا قَلِقاً شاحِباً، وزادَ في ارْتِباكِهِ أَنَّ جَميعَ العيونِ تُتابِعُهُ، نَبَرَ بِحِدَّةٍ: كُنْتُ أُريدُ بِهَذا اليَوْمِ أنْ يَكونَ سَنَد مَوْجُوداً».