يبدو أن إنتاج عمل درامي لم يعد يحتاج بالضرورة إلى استوديو، وطاقم تصوير، وممثلين، ومخرج، وأيام طويلة من المونتاج، بل بضعة أوامر مكتوبة على شاشة الكمبيوتر يستقبلها برنامج للذكاء الاصطناعى، يمكن أن تكون كافية لصناعة شخصيات، وكتابة الحوار، والإخراج، وتوليد الأصوات والصور، وتحريكها، ثم نشر حلقة درامية لا تتجاوز مدتها دقيقة أو دقيقتين. هذه هي الظاهرة الجديدة المعروفة باسم «الدراما المصغرة» التي تظهر كل لحظة على شاشات الهواتف.
انتشرت مؤخراً على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع ومسلسلات قصيرة صنعت باستخدام الذكاء الاصطناعي، بعضها كوميدي، وأخرى رومانسية أو بوليسية أو خيالية، فيما يعتمد بعضها الآخر على مواقف شديدة الإثارة صممت أساساً لجذب المشاهد خلال الثواني الأولى ومنعه من تمرير إصبعه إلى المقطع التالي، فنموذج الدراما المصغرة أو دراما الذكاء الاصطناعي، الذي ينتشر عالمياً يقوم غالباً على إنتاج حلقات رأسية مصممة للهاتف المحمول، مدة الواحدة منها دقيقة أو بضع دقائق، تعتمد على حبكة سريعة ونهاية معلقة تدفع المشاهد فوراً إلى الحلقة التالية.
ما يبدو في ظاهره مجرد موجة جديدة من المحتوى الرقمي يطرح عدة تساؤلات مهمة مثل: هل نشهد انتشار شكل جديد من الدراما يستطيع مستقبلاً منافسة صناعة الدراما التقليدية؟ أم أننا أمام «وجبات درامية سريعة» قد تنجح في إثارة الفضول فقط، ولا تستطيع تقديم العمق الإنساني والفني الذي تصنعه الدراما الحقيقية؟ والسؤال الأكثر أهمية: كيف يمكن ضبط أداء هذه الموجة الجديدة، عندما يصبح إنتاج الدراما متاحاً للجميع، ولا تخضع آلاف المقاطع التي تنشر يومياً على المنصات للمنظومة التقليدية من التصنيف والرقابة؟
يحدثنا ضياء الدين أحمد، موظف بدبي، عن متابعته لهذه الحلقات الدرامية قائلاً: في البداية وجدت هذه الدراما السريعة والقصيرة ممتعة ومسلية وفي المتناول، وأغلبها حكايات تتناول قصصاً إنسانية وتجارب حياتية جذابة، إلى جانب أن المناظر الطبيعية بها متنوعة وجميلة والمدة القصيرة للحلقات تجعل متابعتها سهلة والإيقاع بها متسارع ما يبعد شبح الملل ويناسب إيقاع العصر، ورغم أنه بعد عدة حلقات يطلب مني الاشتراك بالقناة للتمكن من متابعة باقي الأحداث الدرامية، إلا أنني أجد أن الأمر يستحق، خاصة أن الذكاء الاصطناعي هو لغة العصر وارتباطي بهذه الدراما لا يمنعني من متابعة بعض المسلسلات التقليدية، ولم يمنعني اكتشاف بعض العيوب في التحريك أو الإخراج من مشاهدة حلقات وقصص جديدة، خاصة أنها تبحث عني ولا أبحث عنها فهي تطاردني باستمرار كلما تابعت وسائل التواصل الاجتماعي.
المحتوى والرسالة
تضيف سحر علي، موظفة في أحد البنوك بأبوظبي: أنا من متابعي الدراما التقليدية عبر الشاشات، ولكن عندما اكتشفت هذه النوعية من الدراما المصغرة أبهرتني باستخدامها للرسوم المتحركة بهذه الدرجة من الإتقان، وعند تكرار المتابعة وجدت أن المحتوى والرسالة التي تتبناها عادة ما تكون مباشرة لدرجة كبيرة وغالباً ما يتم استخدام الأطفال في هذه القصص، الأمر الذي يمثل عنصر الجذب الأساسي بالنسبة لي لأن ملامح الأطفال تتسم بالبراءة والجمال. ولكن كثيراً ما تتكرر أخطاء في التحريك وتركيب الصوت، ورغم براعة الذكاء الاصطناعي في تجسيد الأماكن والمناظر والمواقف الخطيرة، إلا أنه في إنتاج الدراما لا يزال في بداياته، ولكن ربما يتطور في المستقبل ويصبح قادرا على منافسة الدراما التقليدية.
انخفاض الكلفة
يستعرض المخرج أحمد مسلم رؤيته لأهمية وتأثير هذه النوعية من الدراما قائلاً: أثبتت دراسات حديثة أن الملايين حول العالم يشاهدون هذا النوع من المحتوى، فيما تتنافس تطبيقات متخصصة إلى جانب المنصات الاجتماعية على جذب الجمهور لمتابعته، إذ يضيف الذكاء الاصطناعي إلى هذه الصناعة عاملاً يمكن أن يغير قواعدها جذرياً وهو انخفاض الكلفة، فالكاتب يستطيع استخدامه في تطوير الفكرة والسيناريو، وتوليد الشخصيات والمواقع التي لا وجود لها في الواقع، وصناعة الصوت والموسيقى والمؤثرات، وهكذا تنخفض الحواجز التي كانت تفصل صاحب الفكرة عن الجمهور وبأقل الكلف.
ويضيف: المشاهدة السريعة لهذه الدراما المصغرة تكشف عن الحاجة الملحة لدى المنتج للاعتماد على عناصر الإثارة الفورية بالسيناريو مثل، انتقام، عنف أسري، ثراء مفاجئ، صراع عائلي، جريمة، مما قد يسمح لبث قيم غريبة بالمجتمعات المختلفة، ولكن الجانب الإيجابي بها هي أنها تفتح أفاقاً جديدة للمبدعين وأصحاب المواهب أن يقدموا أعمالهم، فشاب يمتلك فكرة جيدة وجهاز كمبيوتر قد يستطيع تقديم عمل يشاهده الملايين، من دون انتظار شركة إنتاج أو محطة تلفزيونية تتبنّى مشروعه.
سلاح ذو حدين
يشاركنا أحمد أبو الشباب رئيس قسم الإبداع والابتكار بالذكاء الاصطناعي في قناة «سكاي نيوز عربية» رؤيته لهذه الظاهرة قائلاً: أحب أن أصحح مفهوماً شائعاً أن هذه الدراما من ابتكار الذكاء الاصطناعي، فالفكرة تبدأ من الإنسان، والقصة تبدأ من الإنسان، وبناء الشخصيات، وطريقة السرد، والحبكة، والقرارات الإبداعية كلها تأتي من الشخص الذي يقود العمل. بينما الذكاء الاصطناعي هنا هو أحد أدوات الإنتاج، وليس صاحب الفكرة أو القصة. مثلما نستخدم الكاميرا، أو بعض أدوات المونتاج، اليوم نستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد الصورة والفيديو والصوت وتنفيذ أجزاء من القصة.
ويضيف: الذكاء الاصطناعي بالنسبة لي سلاح ذو حدين، فنفس الأداة يمكن استخدامها لإنتاج قصة إنسانية ومؤثرة وتحمل قيمة أخلاقية، قد تسهم في إنتاج محتوى مضلل أو مسيء أو بعيد عن قيم المجتمع. وإذا أردنا تقييم المستوى الحالي لصناعة الدراما المصغرة فيمكن القول إن كثيراً من الأعمال الموجودة اليوم ما زالت ضعيفة من ناحية الإخراج، والحوار، وبناء الشخصيات، والاستمرارية البصرية، وأحياناً الأداء نفسه، ولا يمكن أن تقارن أو تشكل تهديداً للدراما التقليدية المتقدمة للغاية في هذا الإطار. لكن هذا لا يعني عدم وجود أفكار جيدة، فهناك أشخاص استطاعوا جذب الجمهور لأن عندهم فكرة واضحة أو قصة بسيطة.